الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يبقى غريبا لولا خوفه من أبيه ، ولا يرضى بقية أشقائه أن يكيدوا له كما يكيدون لغير الشقيق . وقوله : أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ترديد بين ما رسمه هو لنفسه وبين ما عسى أن يكون اللّه قد قدره له مما لا قبل له بدفعه ، فحذف متعلّق يَحْكُمَ المجرور بالباء لتنزيل فعل يَحْكُمَ منزلة ما لا يطلب متعلقا . واللام للأجل ، أي يحكم اللّه بما فيه نفعي . والمراد بالحكم التقدير . وجملة وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ تذييل . و خَيْرُ الْحاكِمِينَ إن كان على التعميم فهو الذي حكمه لا جور فيه أو الذي حكمه لا يستطيع أحد نقضه ، وإن كان على إرادة وهو خير الحاكمين لي فالخبر مستعمل في الثناء للتعريض بالسؤال أن يقدر له ما فيه رأفة في رد غربته . وعدم التعرّض لقول صدر من بنيامين يدافع به عن نفسه يدل على أنه لازم السكوت لأنه كان مطلعا على مراد يوسف - عليه السّلام - من استبقائه عنده ، كما تقدم في قوله : آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [ يوسف : 69 ] . ثم لقّنهم كبيرهم ما يقولون لأبيهم . ومعنى وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ احتراس من تحقق كونه سرق ، وهو إما لقصد التلطف مع أبيهم في نسبة ابنه إلى السرقة وإما لأنهم علموا من أمانة أخيهم ما خالجهم به الشك في وقوع السرقة منه . والغيب : الأحوال الغائبة عن المرء . والحفظ : بمعنى العلم . وسؤال القرية مجاز عن سؤال أهلها . والمراد بها مدينة مصر . والمدينة والقرية مترادفتان . وقد خصت المدينة في العرف بالقرية الكبيرة . والمراد بالعير التي كانوا فيها رفاقهم في عيرهم القادمين إلى مصر من أرض كنعان ، فأما سؤال العير فسهل وأما سؤال القرية فيكون بالإرسال أو المراسلة أو الذهاب بنفسه إن أراد الاستثبات . [ 83 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 83 ] قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) جعلت جملة قالَ بَلْ سَوَّلَتْ في صورة الجواب عن الكلام الذي لقّنه أخوهم