الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مصر كان عادلا فلا يؤخذ أحد في بلاده بغير حق . ومثله ما كان في شرع الرومان من استرقاق المدين ، فتعين أن المراد بالدّين الشريعة لا مطلق السلطان . ومعنى لام الجحود هنا نفي أن يكون في نفس الأمر سبب يخول يوسف - عليه السلام - أخذ أخيه عنده . والاستثناء من عموم أسباب أخذ أخيه المنفية . وفي الكلام حرف جر محذوف قبل أَنْ المصدرية ، وهو باء السببية التي يدل عليها نفي الأخذ ، أي أسبابه . فالتقدير : إلا بأن يشاء اللّه ، أي يلهم تصوير حالته ويأذن ليوسف - عليه السلام - في عمله باعتبار ما فيه من المصالح الجمة ليوسف وإخوته في الحال والاستقبال لهم ولذريتهم . وجملة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ تذييل لقصة أخذ يوسف - عليه السلام - أخاه لأن فيها رفع درجة يوسف - عليه السلام - في الحال بالتدبير الحكيم من وقت مناجاته أخاه إلى وقت استخراج السقاية من رحله . ورفع درجة أخيه في الحال بإلحاقه ليوسف - عليه السلام - في العيش الرفيه والكمال بتلقي الحكمة من فيه . ورفع درجات إخوته وأبيه في الاستقبال بسبب رفع درجة يوسف - عليه السلام - وحنوه عليهم . فالدرجات مستعارة لقوة الشرف من استعارة المحسوس للمعقول . وتقدم في قوله تعالى : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في سورة البقرة [ 228 ] ، وقوله : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ في سورة الأنفال [ 4 ] . وجملة وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تذييل ثان لجملة كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ الآية . وفيها شاهد لتفاوت الناس في العلم المؤذن بأن علم الذي خلق لهم العلم لا ينحصر مداه ، وأنه فوق كل نهاية من علم الناس . والفوقية مجاز في شرف الحال ، لأن الشرف يشبّه بالارتفاع . وعبر عن جنس المتفوق في العلم بوصف عَلِيمٌ باعتبار نسبته إلى من هو فوقه إلى أن يبلغ إلى العليم المطلق سبحانه . وظاهر تنكير عَلِيمٌ أن يراد به الجنس فيعم كلّ موصوف بقوة العلم إلى أن ينتهي إلى علم اللّه تعالى . فعموم هذا الحكم بالنسبة إلى المخلوقات لا إشكال فيه . ويتعين تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى اللّه تعالى بدليل العقل إذ ليس فوق اللّه عليم . وقد يحمل التنكير على الوحدة ويكون المراد عليم واحد فيكون التنكير للوحدة