الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثم أكد التعليق الشرطي تأكيدا ثانيا بنون التوكيد وتقديم المجرور على عامله وهو مَرْجِعُهُمْ للاهتمام . وجملة : فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ اسمية تفيد الدوام والثبات ، أي ذلك أمر في تصرفنا دوما . وجملة : ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ معطوفة على جملة : فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ . وحرف ثُمَّ للتراخي الرّتبي كما هو شأن ( ثم ) في عطفها الجمل . والتراخي الرتبي كون الجملة المعطوفة بها أعلى رتبة من المعطوفة عليها فإن جملة : ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ لاشتمالها على التعريض بالجزاء على سوء أفعالهم كانت أهم مرتبة في الغرض وهو غرض الإخبار بأن مرجعهم إلى اللّه ، لأن إرجاعهم إلى اللّه مجمل واطلاعه على أفعالهم المكنى به عن مؤاخذتهم بها هو تفصيل للوعيد المجمل ، والتفصيل أهم من الإجمال . وقد حصل بالإجمال ثم بتفصيله تمام تقرير الغرض المسوق له الكلام وتأكيد الوعيد . وأما كون عذاب الآخرة حاصلا بعد إرجاعهم إلى اللّه بمهلة جمع ما فيه من تكلف تقرر تلك المهلة هو بحيث لا يناسب حمل الكلام البليغ على التصدي لذكره . وقوله : اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ خبر مستعمل في معناه الكنائي ، إذ هو كناية عن الوعيد بالجزاء على جميع ما فعلوه في الدنيا بحيث لا يغادر شيئا . والشهيد : الشاهد ، وحقيقته : المخبر عن أمر فيه تصديق للمخبر ، واستعمل هنا في العالم علم تحقيق . وعبر بالمضارع في قوله : يَفْعَلُونَ للإشارة إلى أنه عليم بما يحدث من أفعالهم ، فأما ما مضى فهو بعلمه أجدر . [ 47 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 47 ] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 47 ) عطف على جملة : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [ يونس : 46 ] ، وهي بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها . وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة هي منتهى الإمهال ، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك . فهذا إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب ، فهي ناظرة إلى قوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا [ القصص : 59 ] وقوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] .