الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
83
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالمصدر تنويها ببلوغه الغاية في هذه المعاني حتى اتحد بأجناسها . و تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ كونه مصدقا للكتب السالفة ، أي مبيّنا للصادق منها ومميزا له عما زيد فيها وأسيء من تأويلها كما قال تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ كما تقدم في سورة العقود [ 48 ] . وأيضا هو مصدّق ( بفتح الدال ) بشهادة الكتب السالفة فيما أخذت من العهد على أصحابها أن يؤمنوا بالرسول الذي يجيء مصدقا وخاتما . فالوصف بالمصدر صالح للأمرين لأن المصدر يقتضي فاعلا ومفعولا . والتفصيل : التبيين بأنواعه . والظاهر أن تعريف الْكِتابِ تعريف الجنس فيستغرق الكتب كلها . ومعنى كون القرآن تفصيلا لها أنه مبين لما جاء مجملا في الكتب السالفة ، وناسخ لما لا مصلحة للناس في دوام حكمه ، ودافع للمتشابهات التي ضل بها أهل الكتاب ، فكل ذلك داخل في معنى التفصيل ، وهو معنى قوله تعالى : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ في سورة العقود [ 48 ] . وهذا غير معنى قوله : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ [ يوسف : 111 ] في الآية الأخرى . وجملة : لا رَيْبَ فِيهِ مستأنفة ردت مزاعم الذين زعموا أنه مفترى باقتلاع دعوى افترائه ، وأنها مما لا يروج على أهل الفطن والعقول العادلة ، فالريب المنفي عنه هو أن يكون من أحواله في ذاته ومقارناته ما يثير الريب ، ولذلك كان ريب المرتابين فيه ريبا مزعوما مدعى وهو لو راجعوا أنفسهم لوجدوها غير مرتابة . وقد تقدم القول في نظير هذا في طالعة سورة البقرة [ 2 ] . وموقع قوله : مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ محتمل وجوها أظهرها أنه ظرف مستقر في موضع الخبر عن مبتدإ محذوف هو ضمير القرآن ، والجملة استئناف ثان ، و ( من ) ابتدائية تؤذن بالمجيء ، أي هو وارد من رب العالمين ، أي من وحيه وكلامه ، وهذا مقابل قوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ . [ 38 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 38 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) أَمْ للإضراب الانتقالي من النفي إلى الاستفهام الإنكاري التعجيبي ، وهو ارتقاء بإبطال دعواهم أن يكون القرآن مفترى من دون اللّه .