الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الر تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي بمنزلة الأعداد المسرودة ، لا محل لها من الإعراب ، ولا ينطق بها إلا على حال السكت ، وحال السكت يعامل معاملة الوقف ، فلذلك لا يمد اسم را في الآية ، وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف الهمزة كما تحذف في الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت ، فبذلك تصير الكلمة على حرفين فلا تمد . ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف : را . ها . يا . طا . حا . التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ اسم الإشارة يجوز أن يكون مرادا به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم ، فكأنها منظورة مشاهدة ، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم ، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها . واسم الإشارة يفسر المقصود منه خبره وهو آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ كما فسره في قوله تعالى : فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [ الروم : 56 ] وقوله تعالى : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] . قال في « الكشاف » : تصوّر فراقا بينهما سيقع قريبا فأشار إليه بهذا . وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ في سورة الأنعام [ 88 ] . فالمقصود من الإشارة إما الحث على النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند اللّه ويعلموا صدق من جاءهم به . وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم بآيات الكتاب الحكيم فإنهم يسألون النبي آية على صدقه ، كما دل عليه قوله في هذه السورة [ يونس : 15 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ فقيل لهم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ، أي ما هو آية واحدة بل آيات كثيرة ، فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه . ولأنه اشتمل على الحقائق السامية والهدى إلى الحق والحكمة ؛ فرجل أمي ينشأ في أمة جاهلة يجيء بمثل هذا الهدى والحكمة لا يكون إلا موحى إليه بوحي إلهي ، كما دل