الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

73

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والفاء في قوله : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فاء السبية التي من شأنها أن تقترن بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط ، وذلك أنه قصد تسبب قولهم : اللَّهُ على السؤال المأمور به النبي عليه الصلاة والسلام ، فنزل فعل فَقُلْ منزلة الشرط فكأنه قيل : إن تقل من يرزقكم من السماء والأرض فسيقولون اللّه ، ومنه قوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا [ الإسراء : 51 ، 52 ] . وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [ إبراهيم : 31 ] وقوله : وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الإسراء : 53 ] . التقدير : إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا . وهو كثير في القرآن على رأي المحققين من النحاة وعادة المعربين أن يخرّجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام . والرأيان متقاربان إلا أن ما سلكه المحققون تقدير معنى والتقدير عندهم اعتبار لا استعمال ، وما سلكه المعربون تقدير إعراب والمقدر عندهم كالمذكور . ولو لم ينزل الأمر بمنزلة الشرط لما جاءت الفاء كما في قوله تعالى : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 84 ، 85 ] الآيات . والفاء في قوله : فَقُلْ فاء الفصيحة ، أي إن قالوا ذلك فقل أفلا تتقون . والفاء في قوله : أَ فَلا تَتَّقُونَ فاء التفريع ، أي يتفرع على اعترافكم بأنه الفاعل الواحد إنكار عدم التقوى عليكم . ومفعول تَتَّقُونَ محذوف ، تقديره تتقونه ، أي بتنزيهه عن الشريك . وإنما أخبر اللّه عنهم بأنهم سيعترفون بأن الرازق والخالق والمدبر هو اللّه لأنهم لم يكونوا يعتقدون غير ذلك كما تكرر الإخبار بذلك عنهم في آيات كثيرة من القرآن . وفيه تحدّ لهم فإنهم لو استطاعوا لأنكروا أن يكون ما نسب إليهم صحيحا ، ولكن خوفهم عار الكذب صرفهم عن ذلك فلذلك قامت عليهم الحجة بقوله : فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ . [ 32 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 32 ] فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله : أَ فَلا تَتَّقُونَ [ يونس 31 ] ، فالمفرع من جملة المقول . واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق ، الواهب الإدراك ، الخالق ، المدبر ، لأن اسم الإشارة قد جمعها . وأومأ إلى