الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتقديم قوله : عَنْ عِبادَتِكُمْ على عامله للاهتمام وللرعاية على الفاصلة . [ 30 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 30 ] هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ تذييل وفذلكة للجمل السابقة من قوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [ يونس : 25 ] إلى هنا . وهو اعتراض بين الجمل المتعاطفة . والإشارة إلى المكان الذي أنبأ عنه قوله : نَحْشُرُهُمْ [ يونس : 28 ] أي في ذلك المكان الذي نحشرهم فيه . واسم الإشارة في محل نصب على الظرفية . وعامله تَبْلُوا ، وقدم هذا الظرف للاهتمام به لأن الغرض الأهم من الكلام لعظم ما يقع فيه . و تَبْلُوا تختبر ، وهو هنا كناية عن التحقق وعلم اليقين . و أَسْلَفَتْ قدّمت ، أي عملا أسلفته . والمعنى أنها تختبر حالته وثمرته فتعرف ما هو حسن ونافع وما هو قبيح وضار إذ قد وضح لهم ما يفضي إلى النعيم بصاحبه ، وضده . وقرأ الجمهور تَبْلُوا بموحدة بعد المثناة الفوقية . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بمثناة فوقية بعد المثناة الأولى على أنه من التلو وهو المتابعة ، أي تتبع كل نفس ما قدمته من عمل فيسوقها إلى الجنة أو إلى النار . وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ يجوز أن تكون معطوفة على جملة : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ فتكون من تمام التذييل ، ويكون ضمير ( ردوا ) عائدا إلى ( كل نفس ) . ويجوز أن تكون معطوفة على قوله و يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 28 ] الآية فلا تتصل بالتذييل ، أي ونردهم إلينا ، ويكون ضمير ( ردوا ) عائدا إلى الذين أشركوا خاصة . والمعنى تحقق عندهم الحشر الذي كانوا ينكرونه . ويناسب هذا المعنى قوله : مَوْلاهُمُ الْحَقِّ فإن فيه إشعارا بالتورك عليهم بإبطال مواليهم الباطلة . والرد : الإرجاع . والإرجاع إلى اللّه الإرجاع إلى تصرفه بالجزاء على ما يرضيه وما لا يرضيه وقد كانوا من قبل حين كانوا في الحياة الدنيا ممهلين غير مجازين .