الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

66

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة : ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ خبر ثان ، أو حال من الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ أو معترضة . وهو تهديد وتأييس . والعاصم : المانع والحافظ . ومعنى مِنَ اللَّهِ من انتقامه وجزائه . وهذا من تعليق الفعل باسم الذات ، والمراد بعض أحوال الذات مما يدل عليه السياق مثل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] . وجملة كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ إلخ بيان لجملة : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ بيان تمثيل ، أو حال من الضمير في قوله : وَتَرْهَقُهُمْ . و أُغْشِيَتْ معدّى غشي إذا أحاط وغطا ، فصار بالهمزة معدى إلى مفعولين من باب كسا . وتقدم في قوله تعالى : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ في الأعراف [ 54 ] ، وقوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ في الأنفال [ 11 ] . والقطع - بفتح الطاء - في قراءة الجمهور : جمع قطعة ، وهي الجزء من الشيء ، سمي قطعة لأنه يقتطع من كل غالبا ، فهي فعلة بمعنى مفعولة نقلت إلى الاسمية . وقرأه ابن كثير والكسائي ويعقوب قِطَعاً بسكون الطاء . وهو اسم للجزء من زمن الليل المظلم ، قال تعالى : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [ هود : 81 ] . وقوله : مُظْلِماً حال من الليل . ووصف الليل وهو زمن الظلمة بكونه مظلما لإفادة تمكن الوصف منه كقولهم : ليل أليل ، وظل ظليل ، وشعر شاعر ، فالمراد من الليل الشديد الإظلام باحتجاب نجومه وتمكّن ظلمته . وشبهت قترة وجوههم بظلام الليل . وجملة : أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هي كجملة : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ يونس : 26 ] . [ 28 ، 29 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 28 إلى 29 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) هذه الجملة معطوفة على جملة وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ [ يونس : 27 ] باعتبار كونها معطوفة على جملة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] فإنه لما ذكر في الجملتين السابقتين ما يختص به كل فريق من الفريقين من الجزاء وسماته جاءت هذه الجملة