الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
56
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و حَتَّى غاية للتسيير . وهي هنا ابتدائية أعقبت بحرف المفاجأة وجوابه ، والجملة والغاية هي مفاد جواب إِذا وهو قوله : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ، فمجيء الريح العاصف هو غاية التسيير الهنيء المنعم به ، إذ حينئذ ينقلب التسيير كارثة ومصيبة . والفلك : اسم لمركب البحر ، واسم جمع له بصيغة واحدة . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ في سورة البقرة [ 164 ] . وهو هنا مراد به الجمع . والجري : السير السريع في الأرض أو في البحر ، قال تعالى : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [ هود : 41 ] والظاهر أنه حقيقة فيهما . والريح مؤنثة في كلام العرب . وتقدم في قوله : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ في سورة الأعراف [ 57 ] . والطيبة : الملائمة الرفيقة بالراكبين . والطيب : الموصوف بالطيب الشديد . وأصل معنى الطيب الملاءمة فيما يراد من الشيء ، كقوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] ، ويقال : طاب له المقام في مكان كذا . ومنه سمي الشيء الذي له ريح وعرف طيبا . وجملة : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ جواب إِذا . وفي ذكر جريهن بريح طيبة وفرحهم بها إيماء إلى أن مجيء العاصفة حدث فجأة دون توقع من دلالة علامات النوتية كما هو الغالب . وفيه إيماء إلى أن ذلك بتقدير مراد للّه تعالى ليخوفهم ويذكرهم بوحدانيته . وضمير جاءَتْها عائد إلى الْفُلْكِ لأن جمع غير العاقل يعامل معاملة المفرد المؤنث . والعاصف : وصف خاص بالريح ، أي شديدة السرعة . وإنما لم تلحقه علامة التأنيث لأنه مختص بوصف الريح فاستغنى عن التأنيث ، مثل : نافس وحائض ومرضع ، فشاع استعماله كذلك ، وذكر وصفا للريح فبقي لا تلحقه التاء . وقالوا : إنما لم تلحقه التاء لأنه في معنى النسب ، مثل : لابن ، وتأمر . وفيه نظر . ومعنى مِنْ كُلِّ مَكانٍ من كل جهة من جهات الفلك ، فالابتداء الذي تفيده ( من ) ابتداء الأمكنة المتجهة إلى الفلك . ومعنى أُحِيطَ بِهِمْ أخذوا وأهلكوا ، فالعرب يقولون : أحاط العدو بالقبيلة إذا تمكن منها وغلبها ، لأن الإحاطة بها تدل على الإحداق بها وتطويقها . ولما كان ذلك هزيمة وامتلاكا لها صار ترتيب أُحِيطَ بِهِمْ استعارة تمثيلية للهلاك كما تقدم في قوله