الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ البقرة : 213 ] . وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [ البقرة : 213 ] . وتقدم القول في كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في سورة البقرة [ 213 ] . والناس : اسم جمع للبشر . وتعريفه للاستغراق . والأمة : الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء ما . والمراد هنا أمة واحدة في الدين . والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشئ عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحريف . والإنسان لما أنشئ على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف . وإنما يتصور ذلك في معرفة اللّه تعالى دون الأعمال ، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات ، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاما على عقولهم ، فتعين أن الناس في معرفة اللّه تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن اللّه لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع ، ووضع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعا جبلّيا كما وضع الإلهامات في أصناف الحيوان . وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام . ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاق الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة . وهذا مما يدخل في معنى قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ التين : 4 - 6 ] ، فتعين أن المراد في هذه الآية بكون الناس أمة واحدة الوحدة في الحق ، وأن المقصود مدح تلك الحالة لأن المقصود من هذه الآية بيان فساد الشرك وإثبات خطأ منتحليه بأن سلفهم الأول لم يكن مثلهم في فساد العقول ، وقد كان للمخاطبين تعظيم لما كان عليه أسلافهم ، ولأن صيغة القصر تؤذن بأن المراد إبطال زعم من يزعم غير ذلك . ووقوعه عقب ذكر من يعبدون من دون اللّه أصناما لا تضرهم ولا تنفعهم يدل على أنهم المقصود بالإبطال ، فإنهم كانوا يحسبون أن ما هم عليه من الضلال هو دين الحق ، ولذلك صوروا إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام في الكعبة . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح « كذبوا واللّه إن استقسما بها قط ، وقرأ : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ آل عمران : 67 ] » وبهذا الوجه يجعل التعريف في النَّاسُ للاستغراق .