الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
347
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي البيان إشارة إلى أنّ نهيهم عن الفساد هو سبب إنجاء تلك القرون لأنّ النهي سبب السبب إذ النهي يسبّب الإقلاع عن المعاصي الذي هو سبب النجاة . ودلّ قوله : مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ على أن في الكلام إيجاز حذف تقديره : فكانوا يتوبون ويقلعون عن الفساد في الأرض فينجون من مسّ النار الذي لا دافع له عنهم . وجملة وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا معطوفة على ما أفاده الاستثناء من وجود قليل ينهون عن الفساد ، فهو تصريح بمفهوم الاستثناء وتبيين لإجماله . والمعنى : وأكثرهم لم ينهوا عن الفساد ولم ينتهوا هم ولا قومهم واتّبعوا ما أترفوا فيه كقوله تعالى : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] تفصيلا لمفهوم الاستثناء . وفي الآية عبرة وموعظة للعصاة من المسلمين لأنّهم لا يخلون من ظلم أنفسهم . واتباع ما أترفوا فيه هو الانقطاع له والإقبال عليه إقبال المتّبع على متبوعه . وأترفوا : أعطوا التّرف ، وهو السعة والنعيم الذي سهّله اللّه لهم فاللّه هو الذي أترفهم فلم يشكروه . و كانُوا مُجْرِمِينَ أي في اتّباع الترف فلم يكونوا شاكرين ، وذلك يحقّق معنى الاتّباع لأنّ الأخذ بالترف مع الشكر لا يطلق عليه أنه اتّباع بل هو تمحّض وانقطاع دون شوبه بغيره . وفي الكلام إيجاز حذف آخر ، والتقدير : فحقّ عليهم هلاك المجرمين ، وبذلك تهيّأ المقام لقوله بعده : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ [ هود : 117 ] . [ 117 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 117 ] وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) عطف على جملة وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ [ هود : 116 ] لما يؤذنه به مضمون الجملة المعطوف عليها من تعرّض المجرمين لحلول العقاب بهم بناء على وصفهم بالظلم والإجرام ، فعقب ذلك بأن نزول العذاب ممّن نزل به منهم لم يكن ظلما من اللّه تعالى ولكنهم جرّوا لأنفسهم الهلاك بما أفسدوا في الأرض واللّه لا يحبّ الفساد . وصيغة وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ تدل على قوة انتفاء الفعل ، كما تقدّم عند قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ الآية في آل عمران [ 79 ] ، وقوله : قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ في آخر العقود [ 116 ] فارجع إلى ذينك الموضعين .