الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

340

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ووجّه الأمر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تنويها بشأنه ليبني عليه قوله : كَما أُمِرْتَ فيشير إلى أنّه المتلقّي للأوامر الشرعيّة ابتداء . وهذا تنويه له بمقام رسالته ، ثم أعلم بخطاب أمّته بذلك بقوله : وَمَنْ تابَ مَعَكَ . وكاف التّشبيه في قوله : كَما أُمِرْتَ في موضع الحال من الاستقامة المأخوذة من ( استقم ) . ومعنى تشبيه الاستقامة المأمور بها بما أمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم طبقه . ويؤول هذا المعنى إلى أن تكون الكاف في معنى ( على ) كما يقال : كن كما أنت . أي لا تتغيّر ، ولتشبه أحوالك المستقبلة حالتك هذه . وَمَنْ تابَ عطف على الضمير المتّصل في أُمِرْتَ . ومصحّح العطف موجود وهو الفصل بالجار والمجرور . وَمَنْ تابَ هم المؤمنون ، لأنّ الإيمان توبة من الشّرك ، و مَعَكَ حال من تابَ وليس متعلّقا ب تابَ لأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن من المشركين . وقد جمع قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أصول الصّلاح الديني وفروعه لقوله : كَما أُمِرْتَ . قال ابن عبّاس : ما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آية هي أشدّ ولا أشق من هذه الآية عليه . ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : لقد أسرع إليك الشيب « شيبتني هود وأخواتها » . وسئل عمّا في هود فقال : قوله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . الخطاب في قوله : وَلا تَطْغَوْا موجه إلى المؤمنين الذين صدق عليهم وَمَنْ تابَ مَعَكَ . والطغيان أصله التّعاظم والجراءة وقلة الاكتراث ، وتقدّم في قوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في سورة البقرة [ 15 ] . والمراد هنا الجراءة على مخالفة ما أمروا به ، قال تعالى : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [ طه : 81 ] . فنهى اللّه المسلمين عن مخالفة أحكام كتابه كما نهى بني إسرائيل . وقد شمل الطغيان أصول المفاسد ، فكانت الآية جامعة لإقامة المصالح ودرء المفاسد ، فكان النهي عنه جامعا لأحوال مصادر الفساد من نفس المفسد وبقي ما يخشى