الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

321

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا في موضع الحال من اسم الجلالة ، أي اللّه أعز في حال أنكم نسيتم ذلك . والاتّخاذ : الجعل ، وتقدّم في قوله : أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً في سورة الأنعام [ 74 ] . والظهريّ - بكسر الظاء - نسبة إلى الظهر على غير قياس ، والتغييرات في الكلم لأجل النسبة كثيرة . والمراد بالظهريّ الكناية عن النسيان ، أو الاستعارة لأن الشيء الموضوع بالوراء ينسى لقلة مشاهدته ، فهو يشبه الشيء المجعول خلف الظهر في ذلك ، فوقع ظِهْرِيًّا حالا مؤكّدة للظرف في قوله : وَراءَكُمْ إغراقا في معنى النسيان لأنّهم اشتغلوا بالأصنام عن معرفة اللّه أو عن ملاحظة صفاته . وجملة إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ استئناف ، أو تعليل لمفهوم جملة أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ الذي هو توكله عليه واستنصاره به . والمحيط : الموصوف بأنه فاعل الإحاطة . وأصل الإحاطة : حصار شيء شيئا من جميع جهاته مثل إحاطة الظرف بالمظروف والسور بالبلدة والسوار بالمعصم . وفي « المقامات الحريرية » : « وقد أحاطت به أخلاط الزمر ، إحاطة الهالة بالقمر ، والأكمام بالثمر » . ويطلق مجازا في قولهم : أحاط علمه بكذا ، وأحاط بكل شيء علما ، بمعنى علم كل ما يتضمّن أن يعلم في ذلك ، ثم شاع ذلك فحذف التمييز وأسندت الإحاطة إلى العالم بمعنى : إحاطة علمه ، أي شمول علمه لجميع ما يعلم في غرض ما ، قال تعالى : وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ [ الجن : 28 ] أي علمه . ومنه قوله هنا : إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ والمراد إحاطة علمه . وهذا تعريض بالتهديد ، وأنّ اللّه يوشك أن يعاقبهم على ما علمه من أعمالهم . [ 93 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 93 ] وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 ) . عطف نداء على نداء زيادة في التنبيه ، والمقصود عطف ما بعد النداء الثاني على ما بعد النداء الأوّل . وجملة اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ تقدّم تفسير نظيرها في سورة الأنعام .