الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

318

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يقتضيه الأمر من رجاء العفو عنهم إذا استغفروا وتابوا . وتفنن في إضافة الرب إلى ضمير نفسه مرة وإلى ضمير قومه أخرى لتذكيرهم بأنّه ربّهم كيلا يستمروا على الإعراض وللتشرف بانتسابه إلى مخلوقيته . والرّحيم تقدّم . والودود : مثال مبالغة من الودّ وهو المحبّة . وقد تقدّم عند قوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا في سورة النساء [ 89 ] . والمعنى : أنّ اللّه شديد المحبة لمن يتقرّب إليه بالتّوبة . [ 91 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 91 ] قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ( 91 ) والفقه : الفهم . وتقدّم عند قوله تعالى : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً في سورة النّساء [ 78 ] ، وقوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ في سورة الأنعام [ 65 ] . ومرادهم من هذا يحتمل أن يكون قصد المباهتة كما حكى اللّه عن المشركين وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] وقوله عن اليهود : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] . ويجوز أن يكون المراد ما نتعقّله لأنه عندهم كالمحال لمخالفته ما يألفون ، كما حكى اللّه عن غيرهم بقوله : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] ، وليس المراد عدم فهم كلامه لأنّ شعيبا - عليه السّلام - كان مقوالا فصيحا ، ووصفه النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه خطيب الأنبياء . فالمعنى : أنك تقول ما لا نصدق به . وهذا مقدمة لإدانته واستحقاقه الذم والعقاب عندهم في قولهم : وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ ، ولذلك عطفوا عليه وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً أي وإنّك فينا لضعيف ، أي غير ذي قوّة ولا منعة . فالمراد الضعف عن المدافعة إذا راموا أذاه وذلك ممّا يرى لأنّه ترى دلائله وسماته . وذكر فعل الرؤية هنا للتّحقيق ، كما تقدّم في قوله تعالى : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] بحيث نزّلوه منزلة من تظنون أنهم لا يرون ذلك بأبصارهم فصرحوا بفعل الرؤية . وأكّدوه ب ( إنّ ) ولام الابتداء مبالغة في تنزيله منزلة