الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

312

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والبركة لأنّه لا يبقى إلّا ما يحتفظ به أصحابه وهو النفائس ، ولذلك أطلقت ( البقية ) على الشيء النفيس المبارك كما في قوله تعالى : فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ [ البقرة : 248 ] ، وقوله : فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ [ هود : 116 ] وقال عمرو بن معديكرب أو رويشد الطائي : إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم * فما عليّ بذنب منكم فوت قال المرزوقي : المعنى ثم يأتيني خياركم وأماثلكم يقيمون المعذرة وهذا كما يقال : فلان من بقية أهل ، أي من أفاضلهم . وفي كلمة ( البقية ) معنى آخر وهو الإبقاء عليهم ، والعرب يقولون عند طلب الكفّ عن القتال : ابقوا علينا ، ويقولون « البقية البقية » بالنصب على الإغراء ، قال الأعشى : قالوا البقية - والهنديّ يحصدهم * ولا بقية إلا الثار - وانكشفوا وقال مسور بن زيادة الحارثي : أذكّر بالبقيا على من أصابني * وبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي والمعنى إبقاء اللّه عليكم ونجاتكم من عذاب الاستئصال خير لكم من هذه الأعراض العاجلة السّيئة العاقبة ، فيكون تعريضا بوعيد الاستئصال . وكل هذه المعاني صالحة هنا . ولعلّ كلام شعيب - عليه السّلام - قد اشتمل على جميعها فحكاه القرآن بهذه الكلمة الجامعة . وإضافة ( بقية ) إلى اسم الجلالة على المعاني كلها جمعا وتفريقا إضافة تشريف وتيمّن . وهي إضافة على معنى اللّام لأن البقية من فضله أو ممّا أمر به . ومعنى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن كنتم مصدقين بما أرسلت به إليكم ، لأنهم لا يتركون مفاسدهم ويرتكبون ما أمروا به إلّا إذا صدقوا بأن ذلك من عند اللّه ، فهنالك تكون بقية اللّه خيرا لهم ، فموقع الشرط هو كون البقية خيرا لهم ، أي لا تكون البقية خيرا إلّا للمؤمنين . وجاء باسم الفاعل الذي هو حقيقة في الاتّصاف بالفعل في زمان الحال تقريبا لإيمانهم بإظهار الحرص على حصوله في الحال واستعجالا بإيمانهم لئلّا يفجأهم العذاب فيفوت التدارك . وجملة وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ في موضع الحال من ضمير اعْبُدُوا ونظائره ، أي