الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
310
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأولى حمله عليه هنا ليكون أدخل في تعليل النهي ، أي أنكم في غنى عن هذا التطفيف بما أوتيتم من النعمة والثروة . وهذا التعليل يقتضي قبح ما يرتكبونه من التطفيف في نظر أهل المروءة ويقطع منهم العذر في ارتكابه . وهذا حثّ على وسيلة بقاء النعمة . ثم ارتقى في تعليل النهي بأنه يخاف عليهم عذابا يحل بهم إمّا يوم القيامة وإما في الدنيا . ولصلوحيته للأمرين أجمله بقوله : عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . وهذا تحذير من عواقب كفران النعمة وعصيان واهبها . و مُحِيطٍ وصف ل يَوْمٍ على وجه المجاز العقلي ، أي محيط عذابه ، والقرينة هي إضافة العذاب إليه . وإعادة النداء في جملة وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ لزيادة الاهتمام بالجملة والتنبيه لمضمونها ، وهو الأمر بإيفاء المكيال والميزان . وهذا الأمر تأكيد للنّهي عن نقصهما . والشيء يؤكد بنفي ضده ، كقوله تعالى : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [ طه : 79 ] . لزيادة التّرغيب في الإيفاء بطلب حصوله بعد النهي عن ضده . والباء في قوله بِالْقِسْطِ للملابسة . وهو متعلق ب أَوْفُوا فيفيد أن الإيفاء يلابسه القسط ، أي العدل تعليلا للأمر به ، لأنّ العدل معروف حسن ، وتنبيها على أنّ ضده ظلم وجور وهو قبيح منكر . والقسط تقدم في قوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ في آل عمران [ 18 ] . والبخس : النقص . وتقدم في قصته في سورة الأعراف مفسرا . وذكر ذلك بعد النهي عن نقص المكيال والميزان تذييل بالتعميم بعد تخصيص . لأنّ التطفيف من بخس الناس في أشيائهم ، وتعدية تَبْخَسُوا إلى مفعولين باعتباره ضد أعطى فهو من باب كسا . والعثي - بالياء - من باب سعى ورمى ورضي ، وبالواو كدعا ، هو : الفساد . ولذلك فقوله مُفْسِدِينَ حال مؤكدة لعاملها مثل التوكيد اللفظي مبالغة في النهي عن الفساد . والمراد : النهي عن الفساد كله ، كما يدلّ عليه قوله : فِي الْأَرْضِ المقصود منه تعميم أماكن الفساد . والفساد تقدم في قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ في أول سورة البقرة [ 11 ] .