الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
305
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : ليت لي قوة أدفعكم بها ، ويريد بذلك قوة أنصار لأنّه كان غريبا بينهم . ومعنى أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أو أعتصم بما فيه منعة ، أي بمكان أو ذي سلطان يمنعني منكم . والركن : الشق من الجبل المتّصل بالأرض . [ 81 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 81 ] قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( 81 ) هذا كلام الملائكة للوط - عليه السّلام - كاشفوه بأنّهم ملائكة مرسلون من اللّه تعالى . وإذ قد كانوا في صورة البشر وكانوا حاضري المجادلة حكى كلامهم بمثل ما تحكى به المحاورات فجاء قولهم بدون حرف العطف على نحو ما حكي قول : لوط - عليه السّلام - وقول قومه . وهذا الكلام الذي كلّموا به لوطا - عليه السّلام - وحي أوحاه اللّه إلى لوط - عليه السّلام - بواسطة الملائكة ، فإنّه لمّا بلغ بلوط توقع أذى ضيفه مبلغ الجزع ونفاد الحيلة جاءه نصر اللّه على سنّة اللّه تعالى مع رسله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ يوسف : 110 ] . وابتدأ الملائكة خطابهم لوطا - عليه السّلام - بالتعريف بأنفسهم لتعجيل الطمأنينة إلى نفسه لأنّه إذا علم أنهم ملائكة علم أنهم ما نزلوا إلّا لإظهار الحق . قال تعالى : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [ الحجر : 8 ] . ثم ألحقوا هذا التعريف بالبشارة بقولهم : لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ . وجيء بحرف تأكيد النفي للدّلالة على أنهم خاطبوه بما يزيل الشك من نفسه . وقد صرف اللّه الكفّار عن لوط - عليه السّلام - فرجعوا من حيث أتوا ، ولو أزال عن الملائكة التشكّل بالأجساد البشرية فأخفاهم عن عيون الكفّار لحسبوا أنّ لوطا - عليه السّلام - أخفاهم فكانوا يؤذون لوطا - عليه السّلام - . ولذلك قال له الملائكة لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ولم يقولوا لن ينالوا ، لأنّ ذلك معلوم فإنهم لمّا أعلموا لوطا - عليه السّلام - بأنهم ملائكة ما كان يشك في أن الكفّار لا ينالونهم ، ولكنّه يخشى سورتهم أن يتّهموه بأنه أخفاهم . ووقع في التوراة أن اللّه أعمى أبصار المراودين لوطا - عليه السّلام - عن ضيفه حتى قالوا : إنّ ضيف لوط سحرة فانصرفوا . وذلك ظاهر قوله تعالى : في سورة القمر [ 37 ]