الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
300
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
السّلام - فإذا كان من كلام اللّه فقوله : أَمْرُ رَبِّكَ إظهار في مقام الإضمار لإدخال الرّوع في ضمير السامع . وأمر الله قضاؤه ، أي أمر تكوينه . [ 77 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 77 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ [ هود : 70 ] . فالتقدير : ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط - عليهما السّلام - فلما جاءوا لوطا ، فحذف ما دل عليه المقام إيجازا قرآنيا بديعا . وقد جاءوا لوطا كما جاءوا إبراهيم - عليهما السّلام - في صورة البشر ، فظنهم ناسا وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة ، فلذلك سئ بهم . ومعنى ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ضاق ذرعه بسببهم ، أي بسبب مجيئهم فحوّل الإسناد إلى المضاف إليه وجعل المسند إليه تمييزا لأن إسناد الضيق إلى صاحب الذرع أنسب بالمعنى المجازي ، وهو أشبه بتجريد الاستعارة التمثيلية . والذرع : مدّ الذراع فإذا أسند إلى الآدميّ فهو تقدير المسافة . وإذا أسند إلى البعير فهو مدّ ذراعيه في السير على قدر سعة خطوته ، فيجوز أن يكون : ضاق ذرعا تمثيلا بحال الإنسان الذي يريد مدّ ذراعه فلا يستطيع مدّها كما يريد فيكون ذرعه أضيق من معتاده . ويجوز أن يكون تمثيلا بحال البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مدّ ذراعيه كما اعتاده . وأيّا ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال من لم يجد حيلة في أمر يريد علمه ؟ بحال الذي لم يستطع مدّ ذراعه كما يشاء . وقوله : هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ قاله في نفسه كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد عليه أمر . والعصيب : الشديد فيما لا يرضي . يقال : يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم من أحوال الناس أو أحوال الجوّ كشدة البرد وشدة الحرّ . وهو بزنة فعيل بمعنى فاعل ولا يعرف له فعل مجرد وإنما يقال : اعصوصب الشرّ ؛ اشتدّ . قالوا : هو مشتق من قولك : عصبت الشيء إذا شددته . وأصل هذه المادة يفيد الشدّة والضغط ، يقال : عصب الشيء إذا لواه ، ومنه العصابة . ويقال : عصبتهم السنون إذا أجاعتهم . ولم أقف على فعل مجرّد