الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
285
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والغليظ حقيقته : الخشن ضدّ الرقيق ، وهو مستعار للشّديد . واستعمل الماضي في وَنَجَّيْناهُمْ في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه . [ 59 ، 60 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 59 إلى 60 ] وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) الإشارة ب تِلْكَ حاضر في الذّهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار كأنّه حاضر في الحسّ والمشاهدة . كقوله تعالى : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها [ الأعراف : 101 ] وكقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] ، وهو أيضا مثله في أنّ الإتيان به عقب الأخبار الماضية عن المشار إليهم للتنبيه على أنّهم جديرون بما يأتي بعد اسم الإشارة من الخبر لأجل تلك الأوصاف المتقدّمة . وتأنيث اسم الإشارة بتأويل الأمّة . و عادٌ بيان من اسم الإشارة . وجملة جَحَدُوا خبر عن اسم الإشارة . وهو وما بعده تمهيد للمعطوف وهو وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً لزيادة تسجيل التّمهيد بالأجرام السّابقة ، وهو الذي اقتضاه اسم الإشارة كما تقدّم ، لأنّ جميع ذلك من أسباب جمع العذابين لهم . والجحد : الإنكار الشّديد ، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات . وهذا يدلّ على أنّ هودا أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها . وعدي جَحَدُوا بالباء مع أنّه متعدّ بنفسه لتأكيد التّعدية ، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل : جحدوا آيات ربّهم وكفروا بها ، كقوله : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [ النمل : 14 ] . وجمع الرسل في قوله : وَعَصَوْا رُسُلَهُ وإنّما عصوا رسولا واحدا ، وهو هود - عليه السّلام - لأنّ المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل لأن تكذيبهم هودا لم يكن خاصا بشخصه لأنهم قالوا له : وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ [ هود : 53 ] ، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به . ومثله قوله تعالى : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 123 ] . ومعنى اتباع الآمر : طاعة ما يأمرهم به ، فالاتّباع تمثيل للعمل بما يملى على المتبع ،