الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
282
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
منه ، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية . والأخذ : الإمساك . والناصية : ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس . والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكّن ، تشبيها بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتا . وإنما كان تمثيلا لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم ما مِنْ دَابَّةٍ ، ولكنه لما صار مثلا صار بمنزلة : ما من دابة إلا هو متصرف فيها . ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصا بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب ، وهو نوع الإنسان . والمقصود من ذلك أنّه المالك القاهر لجميع ما يدبّ على الأرض ، فكونه مالكا للكلّ يقتضي أن لا يفوته أحد منهم ، وكونه قاهرا لهم يقتضي أن لا يعجزه أحد منهم . وجملة إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تعليل لجملة إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ، أي توكّلت عليه لأنّه أهل لتوكلي عليه ، لأنّه متّصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله . و عَلى للاستعلاء المجازي ، مثل أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * [ البقرة : 5 ] مستعارة للتمكّن المعنوي ، وهو الاتّصاف الراسخ الذي لا يتغير . والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأنّ العدل يشبّه بالاستقامة والسواء . قال تعالى : فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [ مريم : 43 ] . فلا جرم لا يسلم المتوكّل عليه للظّالمين . [ 57 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) تفريع على جملة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [ هود : 54 ] . وما بينهما اعتراض أوجبه قصد المبادرة بإبطال باطلهم لأنّ مضمون هذه الجملة تفصيل لمضمون جملة إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ [ هود : 54 ] بناء على أنّ هذا من كلام هود - عليه السّلام - . وعلى هذا الوجه يكون أصل تَوَلَّوْا تتولوا فحذفت إحدى التّاءين اختصارا ، فهو مضارع ، وهو خطاب هود - عليه السّلام - لقومه ، وهو ظاهر إجراء الضمائر على وتيرة واحدة .