الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الملاقي من الشر المتوقّع من بين كثير من المتناكرين . ولذلك كان اللفظ الشائع هو لفظ السلام الذي هو الأمان ، فكان من المناسب التصريح بأن الأمان على المخاطب تحقيقا لمعنى تسكين روعه ، وذلك شأن قديم أن الذي يضمر شرا لملاقيه لا يفاتحه بالسلام ، ولذلك جعل السلام شعار المسلمين عند اللقاء تعميما للأمن بين الأمة الذي هو من آثار الأخوة الإسلامية . وكذلك شأن القرى في الحضارة القديمة فإن الطارق إذا كان طارق شر أو حرب يمتنع عن قبول القرى ، كما حكى اللّه تعالى عن إبراهيم فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ هود : 70 ] . وفيه تنويه بشأن هذا اللفظ الذي هو شعار المسلمين عند ملاقاتهم لما فيه من المعاني الجامعة للإكرام ، إذ هو دعاء بالسلامة من كل ما يكدر ، فهو أبلغ من أحياك اللّه لأنه دعاء بالحياة وقد لا تكون طيبة ، والسلام يجمع الحياة والصفاء من الأكدار العارضة فيها . وإضافة التحية إلى ضمير ( هم ) معناها التحية التي تصدر منهم ، أي من بعضهم لبعض . ووجه ذكر تحيتهم في هذه الآية الإشارة إلى أنهم في أنس وحبور ، وذلك من أعظم لذات النفس . وجملة وَآخِرُ دَعْواهُمْ بقية الجمل الحالية . وجعل حمد اللّه من دعائهم كما اقتضته ( أن ) التفسيرية المفسرة به آخِرُ دَعْواهُمْ لأن في دعواهم معنى القول إذ جعل آخر أقوال . ومعنى آخِرُ دَعْواهُمْ أنهم يختمون به دعاءهم فهم يكررون سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فإذا أرادوا الانتقال إلى حالة أخرى من أحوال النعيم نهّوا دعاءهم بجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وسياق الكلام وترتيبه مشعر بأنهم يدعون مجتمعين ، ولذلك قرن ذكر دعائهم بذكر تحيتهم ، فلعلهم إذا تراءوا ابتدروا إلى الدعاء بالتسبيح فإذا اقترب بعضهم من بعض سلم بعضهم على بعض . ثم إذا راموا الافتراق ختموا دعاءهم بالحمد ، فإن تفسيرية لآخر دعواهم ، وهي مؤذنة بأن آخر الدعاء هو نفس الكلمة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وقد دل على فضل هاتين الكلمتين قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « كلمتان حبيبتان إلى الرحمن