الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

278

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالأسباب يكسب كلامه على المسببات قوة وتحقيقا . ولذلك عطف على ذلك قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ بفاء التفريع عاطفة استفهاما إنكاريا عن عدم تعقلهم ، أي تأملهم في دلالة حاله على صدقه فيما يبلغ ونصحه لهم فيما يأمرهم . والعقل : العلم . وعطف جملة وَيا قَوْمِ مثل نظيرها في قصة نوح - عليه السّلام - آنفا . والاستغفار : طلب المغفرة للذنب ، أي طلب عدم المؤاخذة بما مضى منهم من الشرك ، وهو هنا مكنى به عن ترك عقيدة الشرك ، لأن الاستغفار اللّه يستلزم الاعتراف بوجوده ويستلزم اعتراف المستغفر بذنب في جانبه ولم يكن لهم ذنب قبل مجيء هود - عليه السّلام - إليهم غير ذنب الإشراك إذ لم يكن له شرع من قبل . وأما ذنب الإشراك فهو متقرر من الشرائع السابقة جميعها فكان معلوما بالضرورة فكان الأمر بالاستغفار جامعا لجميع هذه المعاني تصريحا وتكنية . والتوبة : الإقلاع عن الذنب في المستقبل والندم على ما سلف منه . وفي ماهية التوبة العزم على عدم العود إلى الذنب فيؤول إلى الأمر بالدّوام على التوحيد ونفي الإشراك . و ثُمَّ للترتيب الرتبي ، لأن الدوام على الإقلاع أهم من طلب العفو عمّا سلف . و يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ جواب الأمر من اسْتَغْفِرُوا . والإرسال : بعث من مكان بعيد فأطلق الإرسال على نزول المطر لأنه حاصل بتقدير اللّه فشبّه بإرسال شيء من مكان المرسل إلى المبعوث إليه . والسماء من أسماء المطر تسمية للشيء باسم مصدره . وفي الحديث : « خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أثر سماء » . و مِدْراراً حال من السماء صيغة مبالغة من الدرور وهو الصبّ ، أي غزيرا . جعل جزاءهم على الاستغفار والتوبة إمدادهم بالمطر لأنّ ذلك من أعظم النّعم عليهم في الدنيا إذ كانت عاد أهل زرع وكروم فكانوا بحاجة إلى الماء ، وكانوا يجعلون السّداد لخزن الماء . والأظهر أن اللّه أمسك عنهم المطر سنين فتناقص نسلهم ورزقهم جزاء على الشرك بعد أن أرسل إليهم هودا - عليه السّلام - ؛ فيكون قوله : يُرْسِلِ السَّماءَ وعدا وتنبيها على غضب اللّه عليهم ، وقد كانت ديارهم من حضر موت إلى الأحقاف مدنا وحللا وقبابا .