الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

273

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ابْلَعِي . . . وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ هود : 44 ] فحصل بذلك البناء قضاء حق الإشارة إلى جزء القصة ، كما حصل بالفصل قضاء حق الإشارة إلى أن ذلك القول جزء المحاورة . ونداء نوح - عليه السّلام - للتنويه به بين الملأ . والهبوط : النزول . وتقدم في قوله : اهْبِطُوا مِصْراً في سورة البقرة [ 61 ] . والمراد : النزول من السفينة لأنّها كانت أعلى من الأرض . والسّلام : التحيّة ، وهو مما يخاطب بها عند الوداع أيضا ، يقولون : اذهب بسلام ، ومنه قول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما وخطابه بالسلام حينئذ إيماء إلى أنه كان في ضيافة اللّه تعالى لأنه كان كافلا له النجاة ، كما قال تعالى : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 13 ، 14 ] . وأصل السّلام : السّلامة ، فاستعمل عند اللقاء إيذانا بتأمين المرء ملاقيه وأنّه لا يضمر له سوءا ، ثم شاع فصار قولا عند اللقاء للإكرام . وبذلك نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين قالوا : السّلام على اللّه ، فقوله هنا : اهْبِطْ بِسَلامٍ نظير قوله : ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ [ الحجر : 46 ] فإن السلام ظاهر في التحية لتقييده ب ( آمنين ) . ولو كان السّلام مرادا به السلامة لكان التقييد ب ( آمنين ) توكيدا وهو خلاف الأصل . و مِنَّا تأكيد لتوجيه السّلام إليه لأنّ ( من ) ابتدائية ، فالمعنى : بسلام ناشئ من عندنا ، كقوله : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] . وذلك كثير في كلامهم . وهذا التأكيد يراد به زيادة الصلة والإكرام فهو أشدّ مبالغة من الذي لا تذكر معه ( من ) . والباء للمصاحبة ، أي اهبط مصحوبا بسلام منّا . ومصاحبة السّلام الذي هو التّحية مصاحبة مجازية . والبركات : الخيرات النامية ، واحدتها بركة ، وهي من كلمات التحية مستعملة في الدعاء . ولما كان الداعون بلفظ التحيّة إنما يسألون اللّه بدعاء بعضهم لبعض فصدور هذا الدعاء من لدنه قائم مقام إجابة الدعاء فهو إفاضة بركات على نوح - عليه السّلام - ومن معه ، فحصل بذلك تكريمهم وتأمينهم والإنعام عليهم .