الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
265
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإضافة الْماءُ إلى ( الأرض ) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها . وإقلاع السماء مستعار لكفّ نزول المطر منها لأنه إذا كفّ نزول المطر لم يخلف الماء الذي غار في الأرض ، ولذلك قدّم الأمر بالبلع لأنّه السبب الأعظم لغيض الماء . وفي قران الأرض والسماء محسّن الطباق ، وفي مقابلة ( ابلعي ) ب أَقْلِعِي محسّن الجناس . و غِيضَ الْماءُ مغن عن التعرّض إلى كون السماء أقلعت والأرض بلعت ، وبني فعل غِيضَ الْماءُ للنائب لمثل ما بني فعل وَقِيلَ باعتبار سبب الغيض ، أو لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغيض : نضوبه في الأرض . والمراد : الماء الذي نشأ بالطوفان زائدا على بحار الأرض وأوديتها . وقضاء الأمر : إتمامه . وبناء الفعل للنائب للعلم بأنّ فاعله ليس غير اللّه تعالى . والاستواء : الاستقرار . والجوديّ : اسم جبل بين العراق وإرمينيا ، يقال له اليوم ( أراراط ) . وحكمة إرسائها على جبل أنّ جانب الجبل أمكن لاستقرار السفينة عند نزول الرّاكبين لأنّها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى جانب الجبل . و بُعْداً مصدر ( بعد ) على مثال كرم وفرح ، منصوب على المفعولية المطلقة . وهو نائب عن الفعل كما هو الاستعمال في مقام الدعاء ونحوه ، كالمدح والذم مثل : تبّا له ، وسحقا ، وسقيا ، ورعيا ، وشكرا . والبعد كناية عن التحقير بلازم كراهية الشيء ، فلذلك يقال : بعد أو نحوه لمن فقد ، إذا كان مكروها كما هنا . ويقال : نفي البعد للمرغوب فيه وإن كان قد بعد ، فيقال للميّت العزيز كما قال مالك بن الرّيب : يقولون لا تبعد وهم يدفنوني * وأين مكان البعد إلّا مكانيا وقالت فاطمة بنت الأحجم : إخوتي لا تبعدوا أبدا * وبلى واللّه قد بعدوا والأكثر أن يقال ( بعد ) بكسر العين في البعد المجازي بمعنى الهلاك والموت ، و ( بعد ) المضموم العين في البعد الحقيقي . والقوم الظالمون هم الذين كفروا فغرقوا . والقائل ( بعدا ) قد يكون من قول اللّه جريا