الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
261
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَدُسُرٍ [ القمر : 13 ] أي سفينة . وعدّي فعل ارْكَبُوا ب ( فيّ ) جريا على الفصيح فإنه يقال : ركب الدابة إذا علاها . وأما ركوب الفلك فيعدّى ب ( في ) لأن إطلاق الركوب عليه مجاز ، وإنما هو جلوس واستقرار فلا يقال : ركب السفينة ، فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له ، وهي تفرقة حسنة . والباء في بِسْمِ اللَّهِ للملابسة مثل ما تقدم في تفسير البسملة ، وهي في موضع الحال من ضمير ارْكَبُوا أي ملابسين لاسم اللّه ، وهي ملابسة القول لقائله ، أي قائلين : باسم اللّه . و مَجْراها وَمُرْساها - بضم الميمين فيهما - في قراءة الجمهور . وهما مصدرا ، أجرى السفينة إذا جعلها جارية ، أي سيّرها بسرعة ، وأرساها إذا جعلها راسية ، أي واقفة على الشاطئ . يقال : رما إذا ثبت في المكان . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف « مجراها » فقط - بفتح الميم - على أنه مفعل للمصدر أو الزمان أو المكان . وأما مُرْساها - فبضم الميم - مثل الجمهور ، لأنه لا يقال : مرساها - بفتح الميم - . والعدول عن الفتح في مُرْساها في كلام العرب مع أنه في القياس مماثل ( مجراها ) وجهه دفع اللبس لئلا يلتبس باسم المرسى الذي هو المكان المعدّ لرسوّ السفن . ويجوز أن يكون مَجْراها وَمُرْساها في محل نصب بالنيابة عن ظرف الزمان ، أي وقت إجرائها ووقت إرسائها . ويجوز أن يكون في محل رفع على الفاعلية بالجار والمجرور لما فيه من معنى الفعل ، وهو رأي نحاة الكوفة ، وما هو ببعيد . وجملة إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للأمر بالركوب المقيد بالملابسة لذكر اسم اللّه تعالى ، ففي التعليل بالمغفرة والرحمة رمز إلى أن اللّه وعده بنجاتهم ، وذلك من غفرانه ورحمته . وأكّد ب إِنَّ ولام الابتداء تحقيقا لأتباعه بأن اللّه رحمهم بالإنجاء من الغرق . [ 42 ، 43 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 )