الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
255
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ولذلك عقب بتسليته بجملة فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ فالفاء لتفريع التسلية على الخبر المحزن . والابتئاس افتعال من البؤس وهو الهم والحزن ، أي لا تحزن . ومعنى الافتعال هنا التأثر بالبؤس الذي أحدثه الخبر المذكور . بِما كانُوا يَفْعَلُونَ هو إصرارهم على الكفر واعتراضهم عن النظر في الدعوة إلى وقت أن أوحي إليه هذا . قال اللّه تعالى حكاية عنه : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً [ نوح : 6 ، 7 ] . وتأكيد الفعل ب قَدْ في قوله : مَنْ قَدْ آمَنَ للتنصيص على أن المراد من حصل منهم الإيمان يقينا دون الذين ترددوا . [ 37 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 37 ] وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذنا بأن اللّه ينتصر له ، أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي قدره اللّه لقومه ، كما حكى اللّه عنه فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ [ القمر : 10 ، 11 ] الآية ، فجملة وَاصْنَعِ الْفُلْكَ عطف على جملة فَلا تَبْتَئِسْ [ هود : 36 ] وهي بذلك داخلة في الموحى به فتدل على أن اللّه أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله : وَوَحْيِنا ، ولذلك فنوح - عليه السّلام - أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفا للبشر ، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلّا اللّه تعالى ، ولا يعتد بما يوجد في الإسرائيليات من إحصاء قرونها . والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ في سورة البقرة [ 164 ] . والباء في بِأَعْيُنِنا للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير ( اصنع ) . والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة . وصيغة الجمع في بِأَعْيُنِنا بمعنى المثنى ، أي بعينينا ، كما في قوله : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] . والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من الخلل والخطأ في الصنع .