الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

238

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المصدر المنسبك من ( أني نذير ) ، أي متلبسا بالنذارة البيّنة . وتقدم الكلام على نوح - عليه السلام - وقومه عند قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً في آل عمران [ 33 ] . وعند قوله : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ في سورة الأعراف [ 59 ] . وجملة أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ مفسرة لجملة أَرْسَلْنا لأن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه ، ويجوز كونها تفسيرا ل نَذِيرٌ لما في نَذِيرٌ من معنى القول ، كقوله في سورة نوح [ 2 ، 3 ] قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ . وهذا الوجه متعين على قراءة فتح همزة ( أني ) إذا اعتبرت ( أنّ ) تفسيرية . ويجوز جعل ( أن ) مخففة من الثقيلة فيكون بدلا من إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ على قراءة - فتح الهمزة - واسمها ضمير شأن محذوفا ، أي أنّه لا تعبدوا إلّا اللّه . وجملة إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ تعليل ل نَذِيرٌ لأن شأن النذارة أن تثقل على النفوس وتخزهم فكانت جديرة بالتعليل لدفع حرج ما يلاقونه . ووصف اليوم بالأليم مجاز عقلي ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليما ، أي مؤلما . وجملة أَخافُ عَلَيْكُمْ ونحوها مثل أخشى عليك ، تستعمل للتوقّع في الأمر المظنون أو المقطوع به باعتبار إمكان الانفلات من المقطوع به ، كقول لبيد : أخشى على أربد الحتوف ولا * أخشى عليه الرياح والمطرا فيتعدّى الفعل بنفسه إلى الخوف منه ويتعدى إلى المخوف عليه بحرف ( على ) كما في الآية وبيت لبيد . و ( العذاب ) هنا نكرة في المعنى ، لأنه أضيف إلى نكرة فكان محتملا لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة . فأما عذاب الدنيا فليس مقطوعا بنزوله بهم ولكنه مظنون من نوح - عليه السلام - بناء على ما علمه من عناية اللّه بإيمان قومه وما أوحي إليه من الحرص في التبليغ ، فعلم أن شأن ذلك أن لا يترك من عصوه دون عقوبة . ولذلك قال في كلامه الآتي إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ [ هود : 33 ] على ما يأتي هنالك . وكان العذاب شاملا لعذاب الآخرة أيضا إن بقوا على الكفر ، وهو مقطوع به لأنّ اللّه يقرن الوعيد بالدعوة ، فلذلك قال نوح - عليه السلام - في كلامه الآتي وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ هود : 33 ] ، وقد تبادر إلى أذهان