الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
235
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح . فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه . والمثل ، بالتحريك : الحالة والصفة كما في قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الآية من سورة الرعد [ 35 ] ، أي حالة الفريقين المشركين والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة الأخرى ، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضا تشبيه مفرد لا مركب . والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام ، وهما فريق المشركين وفريق المؤمنين ، إذ قد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ هود : 18 ] . ثم قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ [ هود : 23 ] الآية . والفريق : الجماعة التي تفارق ، أي يخالف حالها حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة وتقدم عند قوله تعالى : فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ في سورة الأنعام [ 81 ] . شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية اللّه الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى ، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم . وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر ، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته . وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبئ بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب . والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب . وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هو الفريق المقول فيهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ [ هود : 20 ] . والواو في قوله : وَالْأَصَمِّ للعطف على كَالْأَعْمى عطف أحد المشبهين على الآخر . وكذلك الواو في قوله : وَالسَّمِيعِ للعطف على الْبَصِيرِ .