الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استئناف ، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله : أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ [ هود : 18 ] . والموصول في الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة ، أي إن بلغكم أنّ قوما خسروا أنفسهم فهم المفترون على اللّه كذبا ، وخسارة أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء ، فلما ضلوا فقد خسروها . وتقدم الكلام على خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ عند قوله تعالى : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ في سورة الأنعام [ 12 ] . والضلال : خطأ الطريق المقصود . و ما كانُوا يَفْتَرُونَ ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الضر عند الشدائد ، قال تعالى : فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ [ الأحقاف : 28 ] . وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها . شبهت أصنامهم بمن سلك طريقا ليلحق بمن استنجد به فضلّ في طريقه . وجملة لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل المتقدمة من قوله : أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ [ هود : 18 ] لأنّ ما جمع لهم من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة . و ( لا جرم ) كلمة جزم ويقين جرت مجرى المثل ، وأحسب أن ( جرم ) مشتقّ مما تنوسي ، وقد اختلف أئمّة العربية في تركيبها ، وأظهر أقوالهم أن تكون ( لا ) من أول الجملة و ( جرم ) اسم بمعنى محالة أي لا محالة أو بمعنى بدّ أي لا بدّ . ثم يجيء بعدها أنّ واسمها وخبرها فتكون ( أنّ ) معمولة لحرف جرّ محذوف . والتقدير : لا جرم من أن الأمر كذا . ولما فيها من معنى التحقيق والتوثيق وتعامل معاملة القسم فيجيء بعدها في ما يصلح لجواب قسم نحو : لا جرم لأفعلن . قاله عمرو بن معديكرب لأبي بكر . وعبر عمّا لحقهم من الضر بالخسارة استعارة لأنه ضر أصابهم من حيث كانوا