الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
228
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحذف متعلق يُؤْمِنُونَ لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما طلب الإيمان به من الحق ، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا . [ 18 ، 19 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 18 إلى 19 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) لما انقضى الكلام من إبطال زعمهم أنّ النبي - صلى اللّه عليه وسلم - افترى القرآن ونسبه إلى اللّه ، وتعجيزهم عن برهان لما زعموه ، كرّ عليهم أن قد وضح أنهم المفترون على اللّه عدة أكاذيب ، منها نفيهم أن يكون القرآن منزّلا من عنده . فعطفت جملة وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى على جملة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] لبيان استحقاقهم النار على كفرهم بالقرآن لأنهم كفروا به افتراء على اللّه إذ نسبوا القرآن إلى غير من أنزله ، وزعموا أنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم افتراه ، فكانوا بالغين غاية الظلم حتى لقد يسأل عن وجود فريق أظلم منهم سؤال إنكار يؤول إلى معنى النفي ، أي لا أحد أظلم . وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ في سورة البقرة [ 114 ] ، وفي سورة الأعراف [ 37 ] في قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ . وافتراؤهم على اللّه هو ما وضعوه من دين الشرك ، كقولهم : إن الأصنام شفعاؤهم عند اللّه ، وقولهم في كثير من أمور دينهم وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] . وقال تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ المائدة : 103 ] أي إذ يقولون : أمرنا اللّه بذلك . وجملة أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ استئناف . وتصديرها باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الوصف ، وهذا أشد الظلم كما تقدم في أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] . ولما يؤذن به اسم الإشارة من معنى تعليل ما قبله فيما بعده علم أن عرضهم على ربهم عرض زجر وانتقام .