الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فليس معنى الآية أن من أراد الحياة وزينتها أعطاه اللّه مراده لأن ألفاظ الآية لا تفيد ذلك لقوله : نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ ، فالتوفية : عدم النقص . وعلقت بالأعمال وهي المساعي . وإضافة الأعمال إلى ضمير هُمْ تفيد أنها الأعمال التي عنوا بها وأعدّوها لصالحهم أي نتركها لهم كما أرادوا لا ندخل عليهم نقصا في ذلك . وهذه التوفية متفاوتة والقدر المشترك فيها بينهم هو خلوّهم من كلف الإيمان ومصاعب القيام بالحق والصبر على عصيان الهوى ، فكأنه قيل نتركهم وشأنهم في ذلك . وقوله : وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء سلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجا لهم وإمهالا . فهذا كالتكملة لمعنى جملة نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها ، إذ البخس هو الحط من الشيء والنقص منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلما . وفي هذه الآية دليل لما رآه الأشعري أنّ الكفر لا يمنع من نعمة اللّه . وضمير فِيها يجوز أن يعود إلى الْحَياةَ وأن يعود إلى ( الأعمال ) . وجملة أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ مستأنفة ، ولكن اسم الإشارة يربط بين الجملتين ، وأتي باسم الإشارة لتمييزهم بتلك الصفات المذكورة قبل اسم الإشارة . وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليه استحق ما يذكر بعد اختياره من الحكم من أجل الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] . و إِلَّا النَّارُ استثناء مفرّغ من لَيْسَ لَهُمْ أي ليس لهم شيء ممّا يعطاه الناس في الآخرة إلّا النار . وهذا يدل على الخلود في النار فيدل على أن هؤلاء كفار عندنا . والحبط : البطلان أي الانعدام . والمراد ب ما صَنَعُوا ما عملوا ، ومن الإحسان من الدنيا كإطعام العفاة ونحوه من مواساة بعضهم بعضا ، ولذلك عبر هنا ب صَنَعُوا لأنّ الإحسان يسمى صنيعة . وضمير فِيها يجوز أن يعود إلى الدُّنْيا المتحدث عنها فيتعلق المجرور بفعل صَنَعُوا . ويجوز أن يعود إلى الْآخِرَةِ فيتعلق المجرور بفعل ( بطل ) ، أي انعدم أثره . ومعنى الكلام تنبيه على أن حظهم من النعمة هو ما يحصل لهم في الدنيا وأن رحمة اللّه بهم لا تعدو ذلك . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمر لما ذكر له فارس والروم وما هم فيه من المتعة « أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » .