الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

217

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعظم المفسرين جعلوا ضمير بِهِ عائدا إلى بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ . على أن ما يوحى إليه سبب لضيق صدره ، أي لا يضيق له صدرك ، وجعلوا أَنْ يَقُولُوا مجرورا بلام التعليل مقدرة . وعليه فالمضارع في قوله : أَنْ يَقُولُوا بمعنى المضي لأنهم قالوا ذلك . واللام متعلقة ب ضائِقٌ وليس المعنى عليه بالمتين . و لَوْ لا : للتحضيض ، والكنز : المال الكنوز أي المخبوء . وإنزاله : إتيانه من مكان عال أي من السماء . وهذا القول صدر من المشركين قبل نزول هذه الآية فلذلك فالفعل المضارع مراد به تجدد هذا القول وتكرره منهم بقرينة العلم بأنه صدر منهم في الماضي ، وبقرينة التحذير من أن يكون ذلك سببا في ضيق صدره لأن التحذير إنما يتعلق بالمستقبل . ومرادهم ب جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ أن يجيء ملك من الملائكة شاهدا برسالته ، وهذا من جهلهم بحقائق الأمور وتوهمهم أنّ اللّه يعبأ بإعراضهم ويتنازل لإجابة مقترح عنادهم ، ومن قصورهم عن فهم المعجزات الإلهية ومدى التأييد الربّاني . وجملة إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ في موقع العلّة للتحذير من تركه بعض ما يوحى إليه وضيق صدره من مقالتهم . فكأنه قيل لا تترك إبلاغهم بعض ما يوحى إليك ولا يضق صدرك من مقالهم لأنك نذير لا وكيل على تحصيل إيمانهم ، حتى يترتب على يأسك من إيمانهم ترك دعوتهم . والقصر المستفاد من إِنَّما قصر إضافي ، أي أنت نذير لا موكّل بإيقاع الإيمان في قلوبهم إذ ليس ذلك إليك بل هو للّه ، كما دلّ عليه قوله قبله فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ فهو قصر قلب . وفيه تعريض بالمشركين برد اعتقادهم أنّ الرسول يأتي بما يسأل عنه من الخوارق فإذا لم يأتهم به جعلوا ذلك سندا لتكذيبهم إيّاه ردا حاصلا من مستتبعات الخطاب ، كما تقدم عند قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إذ كثر في القرآن ذكر نحو هذه الجملة في مقام الرد على المشركين والكافرين الذين سألوا الإتيان بمعجزات على وفق هواهم . وجملة وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ تذييل لقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إلى هنا ، وهي معطوفة على جملة إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ لما اقتضاه القصر من إبطال أن يكون وكيلا على إلجائهم للإيمان . ومما شمله عموم كُلِّ شَيْءٍ أن اللّه وكيل على قلوب