الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

189

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والشك في الدين هو الشك في كونه حقا ، وكونه من عند اللّه . وإنما يكون هذا الشك عند عدم تصور حقيقة هذا الدين بالكنه وعدم الاستدلال عليه ، فالشك في صدقه يستلزم الشك في ماهيته لأنهم لو أدركوا كنهه لما شكّوا في حقيته . وجملة : فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ واقعة موقع جواب الشرط ودالة عليه في المعنى . فالتقدير الجواب : فأنا على يقين من فساد دينكم ، فلا أتبعه ، فلا أعبد الذين تعبدونهم ولكن أعبد اللّه . ولما كان مضمون هذه الجملة هو أصل دين الإسلام . فيجوز أن يكون في الآية معنى ثان ، أي إن كنتم في شك من معرفة هذا الدين فخلاصته أني لا أعبد الذين تعبدون من دون اللّه ولكني أعبد اللّه وحده ، فيكون في معنى قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 1 ، 2 ] ثم قوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] فيتأتى في هذه الآية غرضان . فيكون المراد بالناس في قوله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ جميع أمة الدعوة الذين لم يسلموا . والذين يعبدونهم الأصنام . وعوملت الأصنام معاملة العقلاء فأطلق عليها اسم الموصول الذي لجماعة العقلاء مجاراة لما يعتقدونه فيها من العقل والتدبير . ونظير هذا في القرآن كثير . واختيار صلة التوفّي هنا في نعت اسم الجلالة لما فيها من الدلالة على كمال التصرف في المخلوق فإن المشركين لم يبلغ بهم الإشراك إلى ادعاء أن الأصنام تحيي وتميت . واختيار ذلك من بين الصفات الخاصة باللّه تعالى تعريض بتذكيرهم بأنهم معرّضون للموت فيقصّرون من طغيانهم . والجمع بين نفي أن يعبد الأصنام ، وبين إثبات أنه يعبد اللّه ؛ يقوم مقام صيغة القصر لو قال : فلا أعبد إلا اللّه ، فوجه العدول عن صيغة القصر : أنّ شأنها أن يطوى فيها الطرف المنفي للاستغناء عنه بالطرف المثبت لأنه المقصود . وذلك حين يكون الغرض الأصلي هو طرف الإثبات ، فأما إذا كان طرف النفي هو الأهم كما هنا وهو إبطال عبادة الأصنام أوّلا عدل على صيغة القصر إلى ذكر صيغتي نفي وإثبات . فهو إطناب اقتضاء المقام ، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموأل : تسيل على حد الظبات نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل