الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهي جملة : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ المفرعة على الجملة الأولى ، وهي المقصود من التسلية . والناس : العرب ، أو أهل مكة منهم ، وذلك إيماء إلى أنهم المقصود من سوق القصص الماضية كما بيّنّاه عند قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [ يونس : 71 ] . والتأكيد ب كُلُّهُمْ للتنصيص على العموم المستفاد من ( من ) الموصولة فإنها للعموم ، والتأكيد ب جَمِيعاً لزيادة رفع احتمال العموم العرفي دون الحقيقي . والمعنى : لو شاء اللّه لجعل مدارك الناس متساوية منساقة إلى الخير ، فكانوا سواء في قبول الهدى والنظر الصحيح . و ( لو ) تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها . فالمعنى : لكنه لم يشأ ذلك ، فاقتضت حكمته أن خلق عقول الناس متأثرة ومنفعلة بمؤثرات التفاوت في إدراك الحقائق فلم يتواطئوا على الإيمان ، وما كان لنفس أن تؤمن إلا إذا استكملت خلقة عقلها ما يهيئها للنظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير ومغالبة الهدى في الاعتراف بالحق . وجملة : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ إلخ مفرّعة على التي قبلها ، لأنّه لما تقرر أن اللّه لم تتعلق مشيئته باتفاق الناس على الإيمان باللّه تفرع على ذلك إنكار ما هو كالمحاولة لتحصيل إيمانهم جميعا . والاستفهام في أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ إنكاري ، فنزّل النبي صلى اللّه عليه وسلم لحرصه على إيمان أهل مكة وحثيث سعيه لذلك بكل وسيلة صالحة منزلة من يحاول إكراههم على الإيمان حتى ترتب على ذلك التنزيل إنكاره عليه . ولأجل كون هذا الحرص الشديد هو محل التنزيل ومصب الإنكار وقع تقديم المسند إليه على المسند الفعلي ، فقيل : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ دون أن يقال : أفتكره الناس ، أو أفأنت مكره الناس ، لأن تقديم المسند إليه على مثل هذا المسند يفيد تقوي الحكم فيفيد تقوية صدور الإكراه من النبي صلى اللّه عليه وسلم لتكون تلك التقوية محل الإنكار . وهذا تعريض بالثناء على النبي ومعذرة له على عدم استجابتهم إياه ، ومن بلغ المجهود حق له العذر . وليس تقديم المسند إليه هنا مفيدا للتخصيص ، أي القصر ، لأن المقام غير صالح لاعتبار القصر ، إذ مجرد تنزيل النبي صلى اللّه عليه وسلم منزلة من يستطيع إكراه الناس على الإيمان كاف في الإشارة إلى تشبيه حرصه على إيمانهم بحرص من يستطيع إكراههم عليه . فما وقع في « الكشاف » من الإشارة إلى معنى الاختصاص غير وجيه ، لأن قرينة التقوي واضحة كما