الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
181
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استئصال لولا أنهم عجّلوا بالإيمان يوم الفتح . فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنتم الطلقاء » . وقوم يونس هم أهل قرية نينوى « 1 » من بلاد العراق . وهم خليط من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر . وكانت بعثة يونس إليهم في أول القرى الثامن قبل المسيح . وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة الأنعام . ولما كذّبه أهل نينوى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوما ، وخرج من المدينة غاضبا عليهم ، فلمّا خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا باللّه فقبل اللّه إيمانهم ولم يعذّبهم . والمذكور أنهم رأوا غيما أسود بعد مضي خمسة وثلاثين يوما من حين توعدهم يونس - عليه السلام - بحلول العذاب فعلموا أنه مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا للّه تعالى فأمسك عنهم العذاب . وسيجيء ذكر ما حل بيونس - عليه السلام - في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء . والكشف : إزالة ما هو ساتر لشيء ، وهو هنا مجاز في الرفع . والمراد : تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلا لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع . والخزي : الإهانة والذل . وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن العذاب كله خزي ، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها اللّه لقوم فقد أراد إذلالهم ، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقة للتخصيص ، ويكون المراد من الخزي الحالة المتصورة من حلوله . وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل الخسف والحرق والغرق ، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم ، وهو عذاب السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر ، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح مكة فنجاهم اللّه منه كما نجّى قوم يونس . و فِي الْحَياةِ الدُّنْيا صفة ل عَذابَ الْخِزْيِ للإشارة إلى أن العذاب الذي يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة ، وأن الأمم التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة . والتمتيع : الإمهال .
--> ( 1 ) بفتح النونين بينهما ياء تحتية ساكنة وبعد النون الثانية واو مفتوحة بعدها ألف ، هي إحدى مدن بلاد أشور من العراق كائنة على الضفة اليسرى من الدجلة بناها الملك أشور سنة 2229 قبل الميلاد وكانت مصطافا لملوك أشور من عهد شلمناصر الأول .