الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
177
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وثانيهما : أن تكون ( في ) للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [ هود : 109 ] ويكون سوق هذه المحاورة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم على طريقة التعريض لقصد أن يسمع ذلك المشركون فيكون استقرار حاصل المحاورة في نفوسهم أمكن مما لو ألقي إليهم مواجهة . وهذه طريقة في الإلقاء التعريضي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق متى كان توجيه الكلام إلى الذي يقصد به مظنة نفور كما في قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الزمر : 65 ] أو كان في ذلك الإلقاء رفق بالذي يقصد سوق الكلام إليه كما في قصة الخصم من اللذين اختصما إلى داود المذكورة في سورة ص . وكلا الاحتمالين يلاقي قوله : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب ، وأنهم يشهدون به ، وإنما يستقيم ذلك في القصص الموافقة لما في كتبهم فإنهم لا يتحرجون من إعلانها والشهادة بها . وغير هذين الاحتمالين يعكر عليه بعض ما في الآية ، ويقتضي أن المخاطب النبي صلى اللّه عليه وسلم لمكان قوله : مِنْ قَبْلِكَ . وليس المراد بضمائر الخطاب كل من يصح أن يخاطب ، لأن قوله : مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يناكد ذلك إلا بتعسف . وإنما تكون جملة : فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ جوابا للشرط باعتبار ما تفيده مادة السؤال من كونهم يجيبون بما يزيل الشك ، فبذلك يلتئم التلازم بين الشرط والجواب ، كما دلت عليه جملة : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . وقرأ الجمهور فَسْئَلِ بهمزة وصل وسكون السين وهمزة بعد السين . وقرأه ابن كثير والكسائي فسل بفتح السين دون همزة الوصل وبحذف الهمزة التي بعد السين مخفف سأل . فجملة : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مستأنفة استئنافا بيانيا لجواب سؤال ناشئ عن الشرط وجوابه ، كأنّ السامع يقول : فإذا سألتهم ما ذا يكون ، فقيل : لقد جاءك الحق من ربك . ولما كان المقصود من ذلك علم السامعين بطريق التعريض لا علم الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأنه ليس بمحل الحاجة لإعلامه بأنه على الحق قرنت الجملة بحرفي