الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
173
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكلمة فَالْيَوْمَ مستعملة في معنى ( الآن ) لأن اسم اليوم أطلق على جزء من زمن الحال مجازا بعلاقة الكلية والجزئية . وجملة : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ تذييل لموعظة المشركين ، والواو اعتراضية ، أو واو الحال . والمراد منه : دفع توهم النقص عن آيات اللّه عندما يحرم كثير من الناس الاهتداء بها ، فهي في ذاتها دلائل هدى سواء انتفع بها بعض الناس أم لم ينتفعوا فالتقصير منهم . واعلم أن هذه الآية أصرح آية في القرآن دلالة على أن فرعون الذي أرسل إليه موسى والذي أتبع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر قد أصابه الغرق . وقد أشارت إليه آية سورة الأعراف وآية سورة البقرة . وفرعون هذا هو منفطاح الثاني ، ويقال له ( ميرنبتا ) - بياء فارسية - أو ( منفتاح ) ، أو ( منيفتا ) وهو ابن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم ( سيزوستريس ) ، من ملوك العائلة التاسعة عشرة من الأسر الفرعونية ، وكانوا في حدود سنة 1491 قبل المسيح . قال ابن جريج : كان فرعون هذا قصيرا أحمر فلا نشك في أن منفطاح الثاني مات غريقا في البحر ، وأنه خرجت جثته بعد الغرق فدفن في وادي الملوك في صعيد مصر . فذكر المنقبون عن الآثار أنه وجد قبره هناك ، وذلك يومئ إلى قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً . ووجود قبر له إن صح بوجه محقق ، لا ينافي أن يكون مات غريقا ، وإن كان مؤرخو القبط لم يتعرضوا لصفة موته ، وما ذلك إلا لأن الكهنة أجمعوا على إخفائها كيلا يتطرق الشك إلى الأمة فيما يمجد به الكهنة كل فرعون من صفات بنوة الآلهة . وخلفته في ملك مصر ابنته المسماة ( طوسير ) لأنه تركها وابنا صغيرا . وقد جاء ذكر غرق فرعون في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج بعبارات مختلفة الصراحة والإغلاق . ومن دقائق القرآن قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وهي عبارة لم يأت مثلها فيما كتب من أخبار فرعون ، وإنها لمن الإعجاز العلمي في القرآن إذ كانت الآية منطبقة على الواقع التاريخي . والظاهر أن الأمواج ألقت جثّته على الساحل الغربي من البحر الأحمر فعثر عليه الذين خرجوا يتقصون آثاره ممن بقوا بعده بمدينة مصر