الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
17
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على إمكانه حاصلا من تقديم التذكير ببدء خلق السماوات والأرض كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] . وموقع ( إن ) تأكيد الخبر نظرا لإنكارهم البعث ، فحصل التأكيد من قوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ أما كونه بدأ الخلق فلا ينكرونه . وقرأ الجمهور إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بكسر همزة ( إنه ) . وقرأه أبو جعفر بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل محذوفة ، أي حق وعده بالبعث لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده فلا تعجزه الإعادة بعد الخلق الأول ، أو المصدر مفعول مطلق منصوب بما نصب به وَعْدَ اللَّهِ أي وعد اللّه وعدا بدء الخلق ثم إعادته فيكون بدلا من وَعْدَ اللَّهِ بدلا مطابقا أو عطف بيان . ويجوز أن يكون المصدر المنسبك من ( أنّ ) وما بعدها مرفوعا بالفعل المقدر الذي انتصب ( حقا ) بإضماره . فالتقدير : حقّ حقا أنه يبدأ الخلق ، أي حق بدؤه الخلق ثم إعادته . والتعليل بقوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ إبداء لحكمة البعث وهي الجزاء على الأعمال المقترفة في الحياة الدنيا ، إذ لو أرسل الناس على أعمالهم بغير جزاء على الحسن والقبيح لاستوى المحسن والمسئ ، وربما كان بعض المسيئين في هذه الدنيا أحسن فيها حالا من المحسنين . فكان من الحكمة أن يلقى كل عامل جزاء عمله . ولم يكن هذا العالم صالحا لإظهار ذلك لأنه وضع نظامه على قاعدة الكون والفساد ، قابلا لوقوع ما يخالف الحق ولصرف الخيرات عن الصالحين وانهيالها على المفسدين والعكس لأسباب وآثار هي أوفق بالحياة المقررة في هذا العالم ، فكانت الحكمة قاضية بوجود عالم آخر متمحض للكون والبقاء وموضوعا فيه كل صنف فيما يليق به لا يعدوه إلى غيره إذ لا قبل فيه لتصرفات وتسببات تخالف الحق والاستحقاق . وقدم جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لشرفه ولياقته بذلك العالم ، ولأنهم قد سلكوا في عالم الحياة الدنيا ما خلق اللّه الناس لأجله ولم يتصرفوا فيه بتغليب الفساد على الصلاح . والباء في بِالْقِسْطِ صالحة لإفادة معنى التعدية لفعل الجزاء ومعنى العوض . والقسط : العدل . وهو التسوية بين شيئين في صفة والجزاء بما يساوي المجزي عليه . وتقدم في قوله : قائِماً بِالْقِسْطِ في أول آل عمران [ 18 ] . فتفيد الباء أنهم يجزون بما يعادل أعمالهم الصالحة فيكون جزاؤهم صلاحا هنالك وهو غاية النعيم ، وأن ذلك الجزاء