الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

طريق مستقيم . وقد تقدم في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] ، فكان أمرهما بالاستقامة جامعا لجميع خصال الخير والصلاح . و في حديث أبي عمرة الثقفي قال : قلت : يا رسول اللّه قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك . قال : قل : آمنت باللّه ثم استقم . ومن الاستقامة أن يستمرا على الدعوة إلى الدين ولا يضجرا . والسبيل : الطريق ، وهو هنا مستعمل للسيرة والعمل الغالب . وقوله : وَلا تَتَّبِعانِّ قرأه الجمهور بتشديد النون مكسورة . وهما نونان : إحداهما نون المثنى والأخرى نون التوكيد . وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر وَلا تَتَّبِعانِّ بنون خفيفة مكسورة . وهي نون رفع المثنى لا نون التوكيد ، فتعين أن تكون ( لا ) على هاته القراءة نافية غير ناهية ، والجملة في موضع الحال والواو واو الحال ، لأن جملة الحال المضارعة المفتتحة بحرف نفي يجوز اقترانها بالواو وعدمه . [ 90 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 90 ] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) معطوفة على جملة وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [ يونس : 87 ] عطف الغرض على التمهيد ، أي ، أمرناهما باتخاذ تلك البيوت تهيئة للسفر ومجاوزة البحر . وجاوزنا ، أي قطعنا بهم البحر ، والباء للتعدية ، أي أقطعناهم البحر بمعنى جعلناهم قاطعين البحر . وتقدم نظيره في سورة الأعراف [ 138 ] . ومجاوزتهم البحر تقتضي خوضهم فيه ، وذلك أن اللّه جعل لهم طرائق في البحر يمرون منها . و فَأَتْبَعَهُمْ بمعنى لحقهم . يقال : تبعه فأتبعه إذا سار خلفه فأدركه . ومنه فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [ الصافات : 10 ] . وقيل : أتبع مرادف تبع . والبغي : الظلم ، مصدر بغى . وتقدم عند قوله تعالى : وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ في الأعراف [ 33 ] . والعدو : مصدر عدا . وهو تجاوز الحد في الظلم ، وهو مسوق لتأكيد البغي . وإنما