الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

160

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معطوفة ، فخولف مقتضى الظاهر لهذه النكتة . ثم ذيّلوا كلمتهم بالتوجه إلى اللّه بسؤالهم منه أن يقيهم ضر فرعون ، ناظرين في ذلك إلى مصلحة الدين قبل مصلحتهم لأنهم إن تمكن الكفرة من إهلاكهم أو تعذيبهم قويت شوكة أنصار الكفار فيقولون في أنفسهم : لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ما أصابهم فيفتتن بذلك عامة الكفرة ويظنون أن دينهم الحق . والفتنة : تقدم تفسيرها آنفا . وسموا ذلك فتنة لأنها تزيد الناس توغلا في الكفر ، والكفر فتنة . والفتنة مصدر . فمعنى سؤالهم أن لا يجعلهم اللّه فتنة هو أن لا يجعلهم سبب فتنة ، فتعدية فعل تَجْعَلْنا إلى ضميرهم المخبر عنه بفتنة تعدية على طريقة المجاز العقلي ، وليس الخبر بفتنة من الإخبار بالمصدر إذ لا يفرضون أن يكونوا فاتنين ولا يسمح المقام بأنهم أرادوا لا تجعلنا مفتونين للقوم الظالمين . ووصفوا الكفار ب الظَّالِمِينَ لأن الشرك ظلم ، ولأنه يشعر بأنهم تلبسوا بأنواع الظلم : ظلم أنفسهم ، وظلم الخلائق ، ثم سألوا ما فيه صلاحهم فطلبوا النجاة من القوم الكافرين ، أي من بطشهم وإضرارهم . وزيادة بِرَحْمَتِكَ للتبرؤ من الإدلال بإيمانهم لأن المنة للّه عليهم ، قال تعالى : قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الحجرات : 17 ] . وذكر لفظ القوم في قوله : لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وقوله : مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ للوجه الذي أشرنا إليه في أواسط البقرة ، وفي هذه السورة غير مرة . [ 87 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 87 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 87 ) يجوز أن يكون عطفا على جملة : وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ [ يونس : 84 ] ، ويجوز أن يكون عطف قصة على قصة ، أي على مجموع الكلام السابق ، لأن مجموعه قصص هي حكاية أطوار لقصة موسى وقومه . ووقع الوحي بهذا الأمر إلى موسى وهارون - عليهما السلام - لأنه من الأعمال الراجعة إلى تدبير أمر الأمة ، فيمكن الاشتراك فيها بين الرسول ومؤازره .