الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفعل الأمر في قوله : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ مستعمل في التسوية المراد منها الاختيار وإظهار قلة الاكتراث بأحد الأمرين . والإلقاء : رمي شيء في اليد إلى الأرض . وإطلاق الإلقاء على عمل السحر لأن أكثر تصاريف السحرة في أعمالهم السحرية يكون برمي أشياء إلى الأرض . وقد ورد في آيات كثيرة أنهم ألقوا حبالهم وعصيهم ، وأنها يخيّل من سحرهم أنها تسعى ، وكان منتهى أعمال الساحر أن يخيل الجماد حيا . و ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ قصد به التعميم البدلي ، أيّ شيء تلقونه ، وهذا زيادة في إظهار عدم الاكتراث بمبلغ سحرهم ، وتهيئة للملإ الحاضرين أن يعلموا أن اللّه مبطل سحرهم على يد رسوله . ولا يشكل أن يأمرهم موسى بإلقاء السحر بأنه أمر بمعصية لأن القوم كانوا كافرين والكافر غير مخاطب بالشرائع الإلهية ، ولأن المقصود من الأمر بإلقائه إظهار بطلانه فذلك بمنزلة تقرير شبهة الملحد ممن يتصدى لإبطالها بعد تقريرها مثل طريقة عضد الدين الإيجي في كتابه « المواقف » . وقد طوي ذكر صورة سحرهم في هذه الآية ، لأن الغرض من العبرة في هذه الآية وصف إصرار فرعون وملئه على الإعراض عن الدعوة ، وما لقيه المستضعفون الذين آمنوا بموسى - عليه السلام - من اعتلاء فرعون عليهم وكيف نصر اللّه رسوله والمستضعفين معه ، وكيف كانت لهم العاقبة الحسنى ولمن كفروا عاقبة السوء ، ليكونوا مثلا للمكذبين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولذلك لم يعرّج بالذّكر إلا على مقالة موسى - عليه السلام - حين رأى سحرهم الدالة على يقينه بربّه ووعده ، وبأن العاقبة للحق . وذلك أهم في هذا المقام من ذكر اندحاض سحرهم تجاه معجزة موسى - عليه السلام - ، ولأجل هذا لم يذكر مفعول أَلْقُوا لتنزيل فعل أَلْقُوا منزلة اللازم ، لعدم تعلق الغرض ببيان مفعوله . ومعنى جِئْتُمْ بِهِ أظهرتموه لنا ، فالمجيء قد استعمل مجازا في الإظهار ، لأن الذي يجيء بالشيء يظهره في المكان الذي جاءه ، فالملازمة عرفية . وليس المراد أنهم جاءوا من بقاع أخرى مصاحبين للسحر ، لأنه وإن كان كثير من السحرة أو كلّهم قد أقبلوا من مدن عديدة ، غير أن ذلك التقدير لا يطرد في كل ما يعبر فيه بنحو : جاء بكذا ، فإنه وإن استقام في نحو وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] لا يستقيم في نحو إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ [ النور : 11 ] .