الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

140

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تلك الدلائل ، فكان يذكرهم بها ، وذلك يبرمهم ويحرجهم . وجملة : فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جواب شرط إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي باعتبار أن ذلك الشرط تضمن أن إنكاره عليهم قد بلغ من نفوسهم ما لا طاقة لهم بحمله ، وأنهم متهيئون لمدافعته فأنبأهم أن احتمال صدور الدفاع منهم ، وهم في كثرة ومنعة وهو في قلة وضعف ، لا يصده عن استمرار الدعوة ، وأنه وإن كان بينهم وحيدا فذلك يوهنه لأنه متوكل على اللّه . ولأجل هذا قدم المجرور على عامله في قوله : فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ أي لا على غيره . والتوكل : التعويل على من يدبر أمره . وقد مر عند قوله : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في سورة آل عمران [ 159 ] . والفاء في فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ للتفريع على جملة فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فللجملة المفرعة حكم جواب الشرط لأنها مفرعة على جملة الجواب ، ألا ترى أنه لولا قصده المبادرة بإعلامهم أنه غير مكترث بمناوأتهم لكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول : إن كان كبر عليكم مقامي إلخ ، فأجمعوا أمركم فإني على اللّه توكلت ، كما قال هود لقومه فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [ هود : 55 ، 56 ] . وإجماع الأمر : العزم على الفعل بعد التردد بين فعله وفعل ضده . وهو مأخوذ من الجمع الذي هو ضد التفريق ، لأن المتردد في ما ذا يعمله تكون عنده أشياء متفرقة فهو يتدبر ويتأمل فإذا استقر رأيه على شيء منها فقد جمع ما كان متفرقا . فالهمزة فيه للجعل ، أي جعل أمره جمعا بعد أن كان متفرقا . ويقولون : جاءوا وأمرهم جميع ، أي مجموع غير متفرق بوجوه الاختلاف . والأمر : هو شأنهم من قصد دفعه وأذاه وترددهم في وجوه ذلك ووسائله . و شُرَكاءَكُمْ منصوب في قراءة الجمهور على أنه مفعول معه . والواو بمعنى ( مع ) أي أجمعوا أمركم ومعكم شركاؤكم الذين تستنصرون بهم . وقرأ يعقوب وَشُرَكاؤُكُمْ مرفوعا عطفا على ضمير فَأَجْمِعُوا ، وسوغه الفصل بين الضمير وما عطف عليه بالمفعول . والمعنى : وليجمع شركاؤكم أمرهم . وصيغة الأمر في قوله : فَأَجْمِعُوا مستعملة في التسوية ، أي أن عزمهم لا يضيره