الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

132

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استجمام القوى المنهوكة والإخلاد إلى محادثة الأهل والأولاد ، على أن في اختلاف الأحوال ، ما يدفع عن المرء الملال . وفي إدماج الاستدلال بالامتنان تعريض بأن الذين جعلوا للّه شركاء جمعوا وصمتين هما : وصمة مخالفة الحق ، ووصمة كفران النعمة . وجملة : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ مستأنفة . والآيات : الدلائل الدالة على وحدانية اللّه تعالى بالإلهية ، فإن النظام الذي نشأ عنه الليل والنهار مشتمل على دقائق كثيرة من العلم والحكمة والقدرة وإتقان الصنع . فمن تلك الآيات : خلق الشمس ، وخلق الأرض ، وخلق النور في الشمس ، وخلق الظلمة في الأرض ، ووصول شعاع الشمس إلى الأرض ، ودوران الأرض كل يوم بحيث يكون نصف كرتها مواجها للشعاع ونصفها الآخر محجوبا عن الشعاع ، وخلق الإنسان ؛ وجعل نظام مزاجه العصبي متأثرا بالشعاع نشاطا ، وبالظلمة فتورا ، وخلق حاسة البصر ، وجعلها مقترنة بتأثر الضوء ؛ وجعل نظام العمل مرتبطا بحاسة البصر ؛ وخلق نظام المزاج الإنساني مشتملا على قوى قابلة للقوة والضعف ثم مدفوعا إلى استعمال قواه بقصد وبغير قصد بسبب نشاطه العصبي ، ثم فاقدا بالعمل نصيبا من قواه محتاجا إلى الاعتياض بقوى تخلفها بالسكون والفتور الذي يلجئه إلى تطلب الراحة . وأيّة آيات أعظم من هذه ، وأية منة على الإنسان أعظم من إيداع اللّه فيه دواعي تسوقه إلى صلاحه وصلاح نوعه بداع من نفسه . ووصف لِقَوْمٍ بأنهم يَسْمَعُونَ إشارة إلى أن تلك الآيات والدلائل تنهض دلالتها للعقول بالتأمل فيها ، وأن توجه التفكير إلى دلائلها غير محتاج إلا إلى التنبيه عليها ولفته إليها ، فلما كان سماع تذكير اللّه بها هو الأصل الأصيل في استخراج دلالتها وتفريع مدلولاتها على تفاوت الأذهان في الفطنة وترتيب الأدلة جعل آيات دلالتها حاصلة للذين يسمعون . ويجوز أن يكون المراد يسمعون تفاصيل تلك الدلائل في تضاعيف سور القرآن ، وعلى كلا الاحتمالين فالوصف بالسمع تعريض بأن الذين لم يهتدوا بها ولا تفطنوا لدلالتها بمنزلة الصم ، كقوله تعالى : أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [ الزخرف : 40 ] . [ 68 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 68 ] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 )