الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

129

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أقوالهم ما نهاك إلا وقد ضمن لك السّلامة منهم مع ضعفك وقوتهم لأنه يمدّك بقوته وهو أعلم بتكوين أسباب نصرك عليهم . والمراد ب السَّمِيعُ العالم بأقوالهم التي من شأنها أن تسمع ، وب الْعَلِيمُ ما هو أعم من أحوالهم التي ليست بمسموعات فلا يطلق على العلم بها اسم ( السّميع ) . [ 66 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 66 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 66 ) المقصود بتوجيه هذا الكلام هم المشركون لتأييسهم من كل احتمال لانتصارهم على النّبيء - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين ، فإن كثيرا منهم حين يفهم ما في الآيات الخمس السّابقة من قولهم : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ [ يونس : 61 ] إلى هنا من التصريح بهوان ، شأنهم عند اللّه وعند رسوله ومن التعريض باقتراب حلول الغلبة عليهم يخامرهم بعض الشك في صدق الرسول وأنّ ما توعّدهم به حق ، ثمّ يغالطون أنفسهم ويسلون قلوبهم بأنّه إن تحقّق ذلك سيجدون من آلهتهم وساطة في دفع الضر عنهم ويقولون في أنفسهم : لمثل هذا عبدناهم ، وللشّفاعة عند اللّه أعددناهم ، فسيق هذا الكلام لقطع رجائهم منهم بالاستدلال على أنّهم دون ما يظن بهم . فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ومناسبة وقوعها عقب جملة وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [ يونس : 65 ] أن أقوالهم دحضت بمضمون هذه الجملة . وأما وقوعها عقب جملة إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ يونس : 65 ] فلأنها حجّة على أنّ العزّة للّه لأنّ الذي له من في السماوات ومن في الأرض تكون له العزّة الحق . وافتتاح الجملة بحرف التنبيه مقصود منه إظهار أهميّة العلم بمضمونها وتحقيقه ولذلك عقب بحرف التأكيد ، وزيد ذلك تأكيدا بتقديم الخبر في قوله : لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وباجتلاب لام الملك . و مَنْ الموصولة شأنها أن تطلق على العقلاء وجيء بها هنا مع أن المقصد الأوّل إثبات أنّ آلهتهم ملك للّه تعالى ، وهي جمادات غير عاقلة ، تغليبا ولاعتقادهم تلك الآلهة عقلاء وهذا من مجاراة الخصم في المناظرة لإلزامه بنهوض الحجّة عليه حتّى على لازم اعتقاده . والحكم بكون الموجودات العاقلة في السماوات والأرض ملكا للّه تعالى يفيد بالأحرى أن تلك الحجارة ملك اللّه لأن من يملك الأقوى أقدر على أن يملك الأضعف