الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

125

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ حال من الْبُشْرى . والمعنى : أنهم يبشرون بخيرات قبل حصولها : في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في كلام اللّه تعالى وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الآخرة بما يتلقونه من الملائكة وما يسمعونه من أمر اللّه بهم إلى النعيم المقيم ، كقوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ [ البقرة : 25 ] . وروى الترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فقال : « ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له » قال الترمذي : وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء ، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند . وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول ، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء . ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة ، أو كأن السائل سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ [ التوبة : 21 ] الآية ونحوها من الآيات . وفي « الموطأ » عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ قال : هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له . ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء ، وتمكينهم من السلطان في الدنيا ، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة . ومقابلة الحزن بالبشرى من محسنات الطباق . وجملة : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه قوله : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، تذكيرا لهم بأن ما وعدهم اللّه به من البشائر مثل النصر وحسن العاقبة أمر ثابت لا يتخلف لأنه من كلمات اللّه ، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على انتفاء جنس التبديل . والتبديل : التغيير والإبطال ، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه . و لِكَلِماتِ اللَّهِ الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه ، ويؤخذ من عموم لِكَلِماتِ اللَّهِ وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي من أصله .