الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
122
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
في كتاب مبين ، أي إلا معلوما مكتوبا ويعلم السامع أن المكتوب في كتاب مبين لا يمكن أن يعزب ، فيكون انتفاء عزوبه حاصلا بطريق برهاني . والمجرور على هذا كله في محل الحال ، وعلى الوجهين الأخيرين من القراءتين يكون الاستثناء متصلا والمجرور ظرفا مستقلا في محل خبر ( لا ) النافية فهو في محل رفع أو في محل نصب ، أي لا يوجد أصغر من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله تعالى : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . والكتاب : علم اللّه ، استعير له الكتاب لأنه ثابت لا يخالف الحق بزيادة ولا نقصان . ومبين : اسم فاعل من أبان بمعنى بان ، أي واضح بيّن لا احتمال فيه . [ 62 - 64 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 62 إلى 64 ] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرّض به في قوله : إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ [ يونس : 61 ] الآية ، وبتسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد ، إذ أعلن اللّه للنبي والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم ، ومن الحزن من جراء ذلك ، ولمح لهم بعاقبة النصر ، ووعدهم البشرى في الآخرة وعدا لا يقبل التغيير ولا التخلف تطمينا لنفوسهم ، كما أشعر به قوله عقبه لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه ، كما تقدم في قوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ في سورة البقرة [ 12 ] ، ولذلك أكدت الجملة ب إِنَّ بعد أداة التنبيه . وفي التعبير ب أَوْلِياءَ اللَّهِ دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى وقوعه عقب قوله : وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ [ يونس : 61 ] يؤذن بأن المخاطبين قد حق لهم أنهم من أولياء اللّه مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على طريقتهم . وجملة : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ خبر إِنَّ . والخوف : توقع حصول المكروه للمتوقّع ، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقّع حصوله . فيقال : خاف الشيء ، قال تعالى : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ [ آل عمران : 175 ] . وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقّع : خاف عليه ، كقوله تعالى : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ