الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ، وفعل التبشير يتعدى بالباء ، فالتقدير : وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق ، فحذف حرف الجر مع ( أنّ ) جريا على الغالب . والقدم : اسم لما تقدم وسلف ، فيكون في الخير والفضل وفي ضده . قال ذو الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس إلها * مع الحسب العادي طمّت على البحر وذكر المازري في « المعلم » عن ابن الأعرابي : أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة . وهو فعل بمعنى فاعل مثل سلف وثقل . قال ابن عطية : ومن هذه اللفظة قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في صفة جهنم : « حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط » يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة ( وفي رواية الجبار ) فيها قدمه فتقول قط قط ، وعزتك . ويزوى بعضها إلى بعض . وهذا أحد تأويلين لمعنى « قدمه » . وأصل ذلك في « المعلم على صحيح مسلم » للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل . والمراد ب قَدَمَ صِدْقٍ في الآية قدم خير ، وإضافة قَدَمَ إلى صِدْقٍ من إضافة الموصوف إلى الصفة . وأصله قدم صدق ، أي صادق وهو وصف بالمصدر : فعلى قول الجمهور يكون وصف صِدْقٍ ل قَدَمَ وصفا مقيدا . وعلى قول ابن الأعرابي يكون وصفا كاشفا . والصدق : موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد ، واشتهر في مطابقة الخبر . ويضاف شيء إلى ( صدق ) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [ يونس : 90 ] وقوله : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] . وقوله : أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ تفسير لفعل أَوْحَيْنا . وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلالة دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم . وأيضا في ذكر المفسّر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية . قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لسحر مبين هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً إلخ . ووجه هذا الإبدال أن قولهم هذا ينبئ عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول : إن هذا لسحر مبين [ يونس : 76 ] أو إِنَّ هذا لَساحِرٌ