الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المحققين من جعله قيدا ل هُدىً وَرَحْمَةٌ ناظرا إلى قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] فإنه لم يجعله هدى لغير المتقين وهم المؤمنون . والوجه أن كونه موعظة وصف ذاتي له ، لأن الموعظة هي الكلام المحذّر من الضر ولهذا عقبت بقوله : مِنْ رَبِّكُمْ فكانت عامة لمن خوطب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ . وأما كونه شفاء فهو في ذاته صالح للشفاء لكن الشفاء بالدواء لا يحصل إلا لمن استعمله . وأما كونه هدى ورحمة فإن تمام وصف القرآن بهما يكون بالنسبة لمن حصلت له حقيقتهما ، وأما لمن لم تحصل له آثارهما ، فوصف القرآن بهما بمعنى صلاحيته لذلك ، وهو الوصف بالقوة في اصطلاح أهل المنطق . وقد وقع التصريح في الآية الأخرى بأنه شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الإسراء : 82 ] ، وصرح في آية البقرة [ 2 ] بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، فالأظهر أن قيد لِلْمُؤْمِنِينَ راجع إلى هُدىً وَرَحْمَةٌ معا إلى قاعدة القيد الوارد بعد مفردات ، وأما رجوعه إلى شِفاءٌ فمحتمل ، لأن وصف شِفاءٌ قد عقب بقيد لِما فِي الصُّدُورِ فانقطع عن الوصفين اللذين بعده ، ولأن تعريف الصُّدُورِ باللام يقتضي العموم ، فليحمل الشفاء على معنى الدواء الذي هو صالح للشفاء للذي يتناوله . وهو إطلاق كثير . وصدّر به في « اللسان » و « القاموس » ، وجعلوا منه قوله تعالى في شأن العسل فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ النحل : 69 ] . وأما تعليق فعل المجيء بضمير الناس في قوله : قَدْ جاءَتْكُمْ فباعتبار كونهم المقصود بإنزال القرآن في الجملة . ثم وقع التفصيل بالنسبة لما اختلفت فيه أحوال تلقيهم وانتفاعهم ، كما دل عليه قوله بعده : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] أي المؤمنون . وعبر عن الهدى بالفضل في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [ النساء : 174 ، 175 ] فعمم في مجيء البرهان وإنزال النور جميع الناس ، وخصص في الرحمة والفضل والهداية المؤمنين ، وهذا منتهى البلاغة وصحة التقسيم . [ 58 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 58 ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) يتفرع على كون القرآن هدى ورحمة للمؤمنين تنبيههم إلى أن ذلك فضل من اللّه عليهم ورحمة بهم يحق لهم أن يفرحوا بهما ، وأن يقدروا قدر نعمتها ، وأن يعلموا أنها