الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كان الخطاب هنا عاما لجميع الناس ولم يأت فيه ما يقتضي توجيهه لخصوص المشركين من ضمائر تعود إليهم أو أوصاف لهم أو صلات موصول . وعلى هذا الوجه فليس في الخطاب ب يا أَيُّهَا النَّاسُ التفات من الغيبة إلى الخطاب ، والمعنى أن القرآن موعظة لجميع الناس وإنما انتفع بموعظته المؤمنون فاهتدوا وكان لهم رحمة . ويجوز أن يكون خطابا للمشركين بناء على الأكثر في خطاب القرآن ب يا أَيُّهَا النَّاسُ فيكون ذكر الثناء على القرآن بأنه هدى ورحمة للمؤمنين إدماجا وتسجيلا على المشركين بأنهم حرموا أنفسهم الانتفاع بموعظة القرآن وشفائه لما في الصدور ، فانتفع المؤمنون بذلك . وافتتاح الكلام ب قَدْ لتأكيده ، لأن في المخاطبين كثيرا ممن ينكر هذه الأوصاف للقرآن . والمجيء : مستعمل مجازا في الإعلام بالشيء ، كما استعمل للبلوغ أيضا ، إلا أن البلوغ أشهر في هذا وأكثر ، يقال : بلغني خبر كذا ، ويقال أيضا : جاءني خبر كذا أو أتاني خبر كذا . وإطلاق المجيء عليه في هذه الآية أعز . والمراد بما جاءهم وبلغهم هو ما أنزل من القرآن وقرئ عليهم ، وقد عبر عنه بأربع صفات هي أصول كماله وخصائصه وهي : أنه موعظة ، وأنه شفاء لما في الصدور ، وأنه هدى ، وأنه رحمة للمؤمنين . والموعظة : الوعظ ، وهو كلام فيه نصح وتحذير مما يضر . وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ في سورة النساء [ 63 ] ، وعند قوله تعالى : مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ في سورة الأعراف [ 145 ] . ووصفها ب مِنْ رَبِّكُمْ للتنبيه على أنها بالغة غاية كمال أمثالها . والشفاء تقدم عند قوله تعالى : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ في سورة براءة [ 14 ] . وحقيقته : زوال المرض والألم ، ومجازه : زوال النقائص والضلالات وما فيه حرج على النفس ، وهذا هو المراد هنا . والمراد بالصدور النفوس كما هو شائع في الاستعمال . والهدى تقدم في قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ في طالع سورة البقرة [ 2 ] ، وأصله :