الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ عطف على جملة : وَأَسَرُّوا مستأنفة . ومعنى : قُضِيَ بَيْنَهُمْ قضي فيهم ، أي قضي على كل واحد منهم بما يستحقه بالعدل ، فالقضاء بالعدل وقع فيهم ، وليس المعنى أنه قضي بين كل واحد وآخر لأن القضاء هنا ليس قضاء نزاع ولكنه قضاء زجر وتأنيب ، إذ ليس الكلام هنا إلا على المشركين وهم صنف واحد ، بخلاف قوله تعالى : فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ يونس : 47 ] فإن ذلك قضاء بين المرسل إليهم وبين الرسل كما قال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ [ الأعراف : 6 ، 7 ] . وجملة : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ حالية . [ 55 ، 56 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 ) تذييل تنهية للكلام المتعلق بصدق الرسول والقرآن وما جاء به من الوعيد وترقب يوم البعث ويوم نزول العذاب بالمشركين . وقد اشتمل هذا التذييل على مجمل تفصيل ذلك الغرض ، وعلى تعليله بأن من هذه شؤونه لا يعجز عن تحقيق ما أخبر بوقوعه . فكان افتتاحه بأن اللّه هو المتوحد بملك ما في السماوات والأرض فهو يتصرف في الناس وأحوالهم في الدنيا والآخرة تصرفا لا يشاركه فيه غيره ؛ فتصرفه في أمور السماء شامل للمغيبات كلها ، ومنها إظهار الجزاء بدار الثواب ودار العذاب ؛ وتصرفه في أمور الأرض شامل لتصرفه في الناس . ثم أعقب بتحقيق وعده ، وأعقب بتجهيل منكريه ، وأعقب بالتصريح بالمهم من ذلك وهو الإحياء والإماتة والبعث . وافتتح هذا التذييل بحرف التنبيه ، وأعيد فيه حرف التنبيه للاستيعاء لسماعه ، وللتنبيه على أنه كلام جامع هو حوصلة الغرض الذي سمعوا تفصيله آنفا . وتأكيد الخبر بحرف إِنَّ للرد على المشركين لأنهم لما جعلوا للّه شركاء فقد جعلوها غير مملوكة للّه . ولا يدفع عنهم ذلك أنهم يقولون : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى لأن ذلك اضطراب وخبط . وقدم خبر إِنَّ على اسمها للاهتمام باسمه تعالى ولإفادة القصر لرد اعتقادهم